مع كل عمليات الضغط المنفذة بهراوة فلاد الثالث «حاكم رومانيا الدموي 1476م» يذعن المجتمع للفرعون الإله، ويظل الفرد يقدّم تنازلات من أجل أمان لا يخلّصه من خوف، أمان زائف على كل حال، لا يفتأ يتنازل حتى يصبح بلا أي قيمة فعلية أو إرادة ملموسة فتُختصر شخصيته في الفرعون الإله، ويستحيل بعدها الخلاص إلا بأُمة ملتئمة الأجزاء، يسري فيه التلاحم سريان الزيت في الزيتونة – كما وصّفها زكي نجيب– لا تُفرقها تعددية الافكار ولا الأديان بأي شكل كان، وإلا سهُل على الحاكم تفتيتها كما يفتت الخبز في الحساء، ولكم في مصر خير مثال، بل لكم في كل سُلطة وطُغاة نموذج استدلالي على طريقتهم بيننا.

الفتنة

الحطب اللازم لطهي حساء التقسيم، وعلى أثرها تتم العملية حسب أيديولوجية العناصر واهتماماتها «ما يثيرها وما يقمعها ما يوحّدها وما يفتّتها»، ومن ثم يبدأ الإجراء المناسب لتحقيق هدف الفتنة بإتمام التصفية المعنوية والجسدية «إلهاء العامة في قوت يومها، تشويه الوجوه الثورية، خطف الشباب القسري، اعتقالهم، قتلهم حتى تحت أي ستار ومسمى قانوني»، أو الإلهاء في فتنة «عرقية، دينية، سياسية»، فيتحوّل «الفرد/ المجتمع»، بغض النظر عن كلّ الاعتبارات الإنسانية إلى محض مادّة تُستعمل لبلوغ غاية الهيمنة والإخضاع، بإمكاننا معرفة إخضاع من، لكن فوق كل هيمنة هيمنة أكبر! وحكامنا ليسوا عقول الهيمنة الكبرى!

النظام العالمي

سعى «القائمون بالسياسة» دومًا إلى رصد الوقائع والإحاطة بها والتحكم فيها بـــ«إعادة صياغة الواقع من جديد» بما يناسب أهواء «النظام العالمي»، وذلك ما صرحت به ممثلة القوى «الإمبريالية» «كونداليزا رايس» حينما أعلنتها بكل وضوح أن الغرب يسعى ما استطاع السعي إلى حل وتفكيك الشرق الأوسط، والحقيقة المرة أن الأمر فلح في عهد «ترامب»، حتى إنك لتجد العرب الآن مجتمعين، ضد أخت لهم، يشددون عليها الحصار، ويحاربونها في الإعلام ويسومونها بالعار والخيانة ويقطعون عليها كل السبل من كل جانب، ليس لشيء إلا لأنها تساند المقاومة في فلسطين على حد قولهم– وأسباب مُرة أخريات، بينما إسرائيل كواحدة منهن، تُهدّئ فيما بينهم.

حيلة نفذها الوكلاء العرب بإحكام، وشكلوا أحداثًا واضطرابات متعمدة لمصالحهم السلطوية، استهلوها بإثارة الفتنة والوقيعة بين الدول والحركات والأحزاب وأصحاب الأديان، كل المختلفين في الأفكار المطلقة وغير المطلقة – ولعمري – مسألة في غاية الخطورة بالنسبة لاستيطان ثورة التصحيح، خاصةً لو أن كل التجارب السابقة سعت كمن خطط في ماء وأقبص حجر، وإن حققت بعض نجاحات ضئيلة انتهى أثرها بمرور الأيام، بل دفعت النظم الشمولية لاستباحة أي وسيلة لاستمرار هيمنتهم والسيطرة على أي شيء وكل شيء.

الشعب يريد..

يكاد المرء يجزم أن «نجيب محفوظ» حينما قال: «وهل هناك فارق بين أن يحكمك الإنجليز أو اليهود أو المصريون» كان يقصد أيامنا تلك، فلا أظن أن مصرنا مرت بتجربة قاسية من قبل مقارنة بما نعيشه الآن، لكن أيضًا من الواجب أن نذكر ذلك، رغم سطوتها وجبروتها التي تذيقه يومًا بعد يوم للشعوب، إلا أن البعض كان مناهضًا لأسلوبها وطريقتها
في التعامل مع الفرد والمجتمع، وما زال الميدان هو السبيل الأمثل الذي يمثل شرارة المقاومة والتوحيد وكانت الفوضى هي الخطر الأدهم الذي يشكل الإلهاء والتقسيم، لذلك لا يجب علينا أن نستمع لـحبّاط، ونستمع للتاريخ الذي أسمعنا يومًا كلمة طارت بلا أجنحة لتؤتي أثرًا لم تؤته آلاف الكـتب ووثائق الوعي، كلمة ما زال صداها يرن في اَذاننا حتى يومنا هــذا.

الشعب يريد إسقاط النظام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد