على الرغم من أن الولايات المتحدة تتربع على عرش المنفقين على البحث العلمي بحوالي 475 مليار دولار، إلا أن نسبة هذا الرقم لا تتعدى 2.75% من نسبة ناتجها المحلي. أما أعلى نسبة إنفاق فتتربع إسرائيل فوقها بنسبة تقارب 4.25% من إجمالي الناتج المحلي علمًا بأن ما تنفقه إسرائيل وحدها يعادل – إن لم يتجاوز – كل ما تنفقه الدول العربية قاطبة في البحث العلمي مع العلم أيضًا أن الناتج المحلي لإسرائيل يقارب ناتج مصر في حين أن عدد سكانها تقريبًا عُشر عدد السكان في مصر.

ولأن العلاقة بين البحث العلمي وإنتاج التكنولوجيا علاقة مباشرة فإن هذه النسبة الكبيرة مكنت إسرائيل من أن تكون نصف صادراتها من نتاج قطاع العلوم والتكنولوجيا، وهي تعد من أكبر الدول تحفيزًا لاستثمار شركات التكنولوجيا بها وبالفعل يوجد بها فروع لشركات عملاقة مثل إنتل وجوجل ومايكروسوفت وآي بي إم وغيرهم هذا بالإضافة إلى العدد الكبير للشركات الصغيرة حديثة النشأة والتي تعد إسرائيل من أكبر الدول عالميًا مرونة وتشجيعًا لها (حوالي 3800 شركة حديثة النشأة).

وقد صار لهذا الإنتاج فعالية لا يمكن تجاهل تأثيرها القوي والفعَّال على العالم كله وعلى العرب بشكل خاص أيضًا لدرجة أن دعوات المقاطعة لبعض تلك المساهمات أصبحت أمرًا غير منطقي إذ توغلت في كثير من الصناعات الرئيسية في مجالات التكنولوجيا والطب والهندسة واستخدام الطاقة الشمسية والزراعة وغيرها. ولكي تعلم جدية الأمر إليك بعض ما تم اختراعه من خلال التكنولوجيا الإسرائيلية مما لا يستغني عنه الكثير من العرب الآن:

1- شريحة الذاكرة الصغيرة USB flash memory

شريحة الذاكرة الصغيرة سُجِّلت بوصفها براءة اختراع عام 1999 لعاملَِين بشركة M-System إسرائيلية المنشأ وخرج إلى العالم أول إصدار لها من خلال IBM بمساحة ثمانية ميجا. لاحقًا في عام 2006 اشترت شركة سانديسك SanDisk، وهي شركة إسرائيلية-أمريكية شركة M-System وصارت أحد أكبر المنتجين والمطورين لها.

لم أستطع أن أتوصل لحجم مبيعات أو استخدام منتجات سانديسك من الفلاش ميموري في الوطن العربي، لكن ما يعلمه الجميع هو أنه لا يوجد منفذ بيع للأجهزة المتطورة لا يبيع فلاش ميموري من إصدار سان ديسك.

2- فايبر Viber

على الرغم من أن المقر الرئيسي للشركة في قبرص، يعتبر برنامج فايبر إسرائيلي المنشأ، اخترعه صديقان في الجيش الإسرائيلي ثم كونا الشركة وأداراها من قبرص لقلة التكلفة. يوجد حوالي 950 مليون مسجل في فايبر وهي الآن أحد الرعاة الرسميين لنادي برشلونة.

في عام 2015، كانت الإمارات والسعودية وحدهما يمثلان تقريبًا 31% من مستخدمي الفايبر في العالم وهو رقم انحسر كثيرًا لاحقًا في مواجهة واتس آب وفيسبوك مسنجر لكنه كشف كيف وصلت تكنولوجيا إسرائيلية لقلب العالم العربي وكانت المتربعة على عرش الاستخدام فترةً ليست بالقصيرة.

3- Pillcam

ابتكرت شركة Given Image الإسرائيلية كبسولة (3×1 سم) مزودة بكاميرا يبتلعها المريض لتقوم مباشرة بتصوير ونقل ما تقابله، وهي مخصصة لفحوص تنظير القولون. زادت شهرة الابتكار في عام 2014 عندما حصلت على موافقة مهمة من هيئة الأغذية والدواء الأمريكية FAQ ومن ثم انتشرت في كثير من بلدان العالم بما فيها العربية. تتواجد الآن في بعض مستشفيات دول الخليج ولا يعوقها سوى تكلفتها المرتفعة حيث ابتدأت بـ500 دولار مع احتمالية انخفاضها حسب دعمها من الدولة.

4- waze

تُرى كم عربيًا مستفيدًا من برنامج الملاحة «ويز» من بين المائة مليون الذين استخدموه حتى الآن؟ علمًا بأن هذا الرقم لمستخدمي الأندرويد فقط! حسنًا لا تهم الإجابة، فجوجل تستفيد بمميزات البرنامج حاليًا في تطبيقها Google Map بعدما اشترته في إحدى أكبر صفقاتها بعد موتورولا وموبايلي هولدنج ودبل كيك ويوتيوب. قدرت الصفقة بـ1.2 مليار دولار تقريبًا. هل يوجد عربي كثير السفر لا يستخدم تطبيق جوجل للخرائط والملاحة؟

«ويز» تمت برمجته في دولة الاحتلال طبقًا لمشروع اجتماعي باسم Free Map Isreal برأس مال أمريكي لشركة Blue Run ثم اشترته جوجل كما ذكرنا خوفًا من مفاوضات فيسبوك مع الشركة والتي لا شك أن سببها هو تفوقه الواضح ومميزاته في خاصية الملاحة. وعلى الرغم من تملك جوجل للتطبيق منذ عام 2013 إلا أنها لا تزال تسمح باستخدام التطبيق مستقلًا حتى الآن ويستطيع مستخدمو أندرويد وIOS تحميله ولا يزال يحصل على تقييمات عالية، فهناك خمسة ملايين أعطوه خمس نجوم من بين سبعة ملايين مقَيِم للبرنامج لينتهي متوسط التقييم حاليًا إلى 4.6.

5- Intel

على الرغم من أن شركة إنتل Intel ليست إسرائيلية المنشأ لكنها أشهر وأكبر من بدأ استثماراته فيها حيث أنشأت عام 1974 فرعًا مهمًا لها على الأراضي المحتلة في حيفا أتبعته بعدة مجمعات لإنتاج رقائق المعالجات (أحدها في القدس) ومركز للدراسات والبحوث كان ذا دور رئيس في تطوير منتجات الشركة بشكل قوي ومؤثر حيث أسهمت تلك المجمعات والتي تلتها ولا تزال في تطوير رقائق معالج المعلومات CPU في معظم مراحله وإنتاجه السابقة خاصة المعالج Centrino. ودون الدخول في تفاصيل فنية كثيرة، فتعتبر تلك الإضافات عاملًا أساسيًا في نصف مكتسبات الشركة لعدة أعوام؟

القائمة للأسف ليست بالقصيرة، وهي تدل بشكل مباشر كيف تصير الأمم إذا اهتمت بالتعليم والبحث العلمي عاملًا أساسيًا للتطور وخلق القوة العسكرية والاقتصادية المطلوبة لمواجهة تحدياتها. فها هي دولة الاحتلال تملك ثلاثة جامعات من قائمة أفضل 100 جامعة في العالم في حين تتذيل الجامعات العربية قائمة الـ500 جامعة في العديد من التصنيفات (باستثناء جامعتي الملك عبد العزيز والملك سعود اللتين تتوسطان المائة الثانية أحيانًا).

هذا التطور ولا شك يدعم الاحتلال بقوة أمام العالم حتى في وجود تيار قوي مضاد له حاليًا في الدول الأوروبية خاصة. إذ لا توجد مقارنة بينها وبين الدول العربية في أي مجال ولا تتفوق الدول العربية عنها في شيء سوى الفساد السياسي! فوق ذلك تجد حين الانتفاضات أو دعوات المقاطعة الكثير من ردود فعل شبابية إسرائيلية على اليوتيوب تسجل كيف يستحيل على العرب مقاطعة منتجات إسرائيل التي تدعم كل ما حولهم من تكنولوجيا في العديد من المجالات الأساسية كالكومبيوتر والهواتف وغيرها.

قد يحبطك هذا المقال، لكنه الواقع أيًا كانت وسيلة هروبك منه، ولا شك أن الحكومات العربية هي السبب في هذا الانحدار، لكن أول سبيل لحل مشاكلنا هو وعينا بها،فعلى الأقل علينا أن لا نخسر معركة الوعي التي تعتبر عينَيِ الجسد المقيد اللتين تدلانه السبيل حينما يستطيع أن يتخلص من قيوده، إن استطاع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد