مصطفى عمر الأنور

63

مصطفى عمر الأنور

63

بالرغم من أن حرب أكتوبر 73 كلفت الكيان الصهيوني كامل إنتاجه المحلي الإجمالي لذلك العام، والبالغ 40 مليار دولار، وبالرغم من الجسر الجوي الأمريكي التسليحي خلال الحرب وبعدها، إلا أن الكيان ركز على إعادة تسليح وتدريب جيشه؛ مما كلف الخزينة كثيرًا. من كتاب الدكتور عادل محمد سمارة (الاقتصاد السياسي للصهيونية).

القرار السياسي لكل دولة هو في المعتاد حصيلة جملة العوامل الفاعلة في المجتمع، وبشكل أساسي، العوامل الاقتصادية. يعتبر هذا نتيجة طبيعية لكون السلطة التي تمثل الدولة والتي تصدر القرار السياسي، وتشرف على تنفيذه، هي المعبرة عن المصالح الاقتصادية والطبقية السائدة في المجتمع. بمعنى آخر: فإن الاقتصاد مقدمة، والسياسة نتيجة.

من حيث الحالة الاستثنائية لإسرائيل كأداة إمبريالية (أو دولة إمبريالية في نظر البعض) فإن القاعدة السابقة لا تسري عليها. سواء كان الكيان الصهيوني أداة أو دولة شريكة للإمبريالية، فإن القرار السياسي هو الأساس، وباقي العوامل – ومنها الاقتصادية – في خدمته.

عند تحديد الأولوية التي يحتلها كل من السياسة والاقتصاد في صنع القرار تجاه الأحداث المختلفة، فإن الاعتبارات الاقتصادية كانت تتراجع أمام الاعتبارات الأيديولوجية عند ظهور تناقض بينهما. لم ينس الفكر الإسرائيلي أن الإجراء الاقتصادي السليم قد لا يكون إجراء سياسيًا سليمًا.

في مطلع القرن العشرين ظهر اتجاهان في الفكر الصهيوني تجاه مسألة التشغيل والعمالة في فلسطين. الأول سياسي يرفع شعار “اليد العاملة اليهودية أولًا”، الثاني اقتصادي يرى أن العامل العربي ينتج أكثر ويتقاضى أقل من العامل اليهودي. كانت سياسة العمل العبري هي التي حكمت تفكير القادة الصهاينة؛ فقدموها على المنطق الاقتصادي للمستثمرين والمستوطنين.

ينطبق نفس المبدأ على الإنفاق العسكري للكيان الصهيوني. صحة السياسة الاقتصادية للكيان تقاس بخدمتها للهدف السياسي، وليس بمراعاتها لقوانين الاقتصاد. قد يبدو القرار السياسي فيما يتعلق بالحفاظ على، أو زيادة مصروفات الدفاع، متعارضًا مع المنطق الاقتصادي، إلا أنه يخدم أخيرًا المصالح الاستراتيجية للإمبريالية التي تتركز بشكل رئيس في مصالحها الاقتصادية.

تعطينا حرب أكتوبر 73 مثالًا واضحًا لكيفية وضع الكيان الصهيوني الاقتصاد في خدمة السياسة. كانت مصروفات الدفاع من الثوابت التي تجنبت جميع الإجراءات الاقتصادية المتخذة المساس بها. بالرغم من أن الحرب أسست لفترة من الكساد والتضخم امتدت حتى العام 85، إلا أن الإنفاق العسكري زاد بنسبة 66% عن العام 72. أصبح الإنفاق العسكري بعد الحرب حتى عام 75 يقتطع 32% من الناتج القومي الإجمالي، بعد أن كان يقتطع في الخمس سنوات السابقة للحرب 21.7%.

تراجع الإقتصاد الإسرائيلي خلال الفترة (73-85) بمعدلات عالية وصلت للصفر في بعض السنوات. رافق ذلك عجز كبير في الميزان التجاري وموازنة الحكومة. ارتفعت تكلفة استيراد النفط إلى إسرائيل من 98 مليون دولار عام 72 إلى 628 مليون دولار عام 75 ثم إلى 1.8 مليار دولار عام 80.

لم يمنع الكساد والركود الإقتصادي الكيان الصهيوني من خوض مغامرة حرب لبنان الفاشلة عام 82. كانت تكلفتها الاقتصادية باهظة بالنسبة لاقتصاد متأزم منذ حرب أكتوبر. مرة أخرى تثبت السياسة أنها توجه دفة القرار، حتى لو كان هذا القرار متعارضًا مع المصلحة الاقتصادية. جميع الحلول للخروج من الأزمة الاقتصادية مباحة شرط ألا تمس القدرة العسكرية لإسرائيل.

لا معنى أن نؤسس قاعدة تخدم أهدافنا في الوطن العربي وتجهض تجارب التنمية و النهوض فيه، ثم تأتي هذه القاعدة لتحدثنا عن مصالحها الاقتصادية كأولوية أولى. هكذا فكر قادة الإمبريالية الغربية وهم يطلقون كلب الصيد الإسرائيلي على لبنان وغيره من دول العالم العربي.

لا تؤثر الأزمات الإقتصادية على الإنفاق العسكري الإسرائيلي. يتم توزيع الآثار السلبية للأزمة الاقتصادية بعيدًا عن الاقتراب من مصروفات الدفاع. الكيان الصهيوني لديه الاستعداد لتخفيض العمل في الاستثمارات ومشاريع التنمية وقطاع البناء، ولديه الاستعداد لخفض الاستيراد المعد للاستهلاك، ولديه الاستعداد للحصول على المزيد من المساعدات والقروض بالرغم من عبئها المستقبلي على اقتصاده، لكن الإنفاق العسكري هو العقيدة التي لا كفر بها.

لا يمكن لكيان توسعي زرعه الاستعمار لخدمة مصالحه أن يسمح بتهديد التفوق العسكري له على الجوار. ترتب على طبيعة نشوء الكيان القائمة على العدوان أن تقدمت الأيديولوجيا لتأخذ موقع الإقتصاد في عملية صنع القرار. إذا كان الاقتصاد يقول بتقليص حجم الإنفاق الحكومي ودرجة تدخل الدولة في الاقتصاد لحل مشكلة التضخم المالي في الفترة (73-85)، فإن الأيديولوجيا فرضت سياسة معاكسة أعطت الأهمية الأولى لبناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية والجولان وقطاع غزة.

إن الطبيعة الإمبريالية للكيان الصهيوني جعلت ما يبدو غامضًا متناقضًا بشأن الاقتصاد الإسرائيلي والمصروفات العسكرية واضحًا مقروئًا يمكن بالتحليل والفهم الوقوف على خلفياته وأسبابه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

  • بحوث في الإقتصاد الإسرائيلي للأستاذ حسين أبو النمل

  • تطور الاقتصاد الإسرائيلي 1948_1996 - الأستاذ نبيل السهلي

تعليقات الفيسبوك