المشروع المجنون، مشروع العصر، المشروع المعجزة، أضخم مشاريع العالم، تسميات مختلفة لمشروع شق قناة إسطنبول البديلة لمضيق البوسفور في تركيا، مشروع من شأنه أن يرفع من شأن تركيا في إقليمها؛ بل في العالم كله، فما هو مشروع قناة إسطنبول؟ وماهي فائدتها الإستراتيجية والاقتصادية لتركيا؟ وهل تتعارض قناة إسطنبول مع اتفاقية مونترو لتنظيم الملاحة؟

ما هي اتفاقية مونترو؟

عقدت الدول العشر وهي الاتحاد السوفيتي، تركيا، بريطانيا، فرنسا، أستراليا بلغاريا، رومانيا ، يوغسلافيا، اليابان، واليونان في مونترو بسويسرا سنة 1936، اجتماعًا خَلُص إلى توقيع اتفاقية مونترو؛ التي تُعنى بحرية المرور البحري للسفن التجارية والحربية لدول حوض البحر الأسود عبر مضايقه في وقت السلم والحرب، وتتضمن الاتفاقية 29 بندًا تُحمل تركيا مسؤولية حرية مرور السفن مع تقيّدها ببنود الاتفاقية، والتي تُلزم السفن عدم تجاوز مدة معينة قدرت بـ21 يومًا خارج البحر الأسود، كما أن الاتفاقية كانت قد حددت الجباية التي على الدول دفعها لتركيا مقابل مرورها بمضايق البحر الأسود.

عادت تركيا سنة 2011 لتناقش فكرة إنشاء قناة جديدة خارج اتفاقية مونترو، قناة موازية لمضيق البوسفور تكون لتركيا الحرية الكاملة عليها في فرض أي نوع سفن يُسمح له بالمرور، وثمن الجباية التي يجب على السفن دفعها، إذ إن تركيا ترى في اتفاقية مونترو إجحافًا كبيرًا في حقها؛ وذلك بحرمانها من عوائد مالية تصل إلى 10 مليارات دولار، كما أن لتركيا رغبة في التشديد كذلك على السفن الناقلة لمواد ملوثة للبيئة، كسفن نقل البترول، وهي الأمور التي لا يمكن لها القيام بها ضمن اتفاقية مونترو.

مشروع قناة إسطنبول: بين مؤيد ومعارض

منذ سليمان القانوني إلى أردوغان تأرجحت فكرة إنشاء قناة غرب إسطنبول، بين البحر الأسود وبحر مرمرة، قناة إسطنبول الجديدة أو ما يعرف بمشروع أردوغان المجنون ستشق طريقها أخيرًا بين المناظر الطبيعية من الغابات والبحيرات على بعد 30 كلم غربًا من قناة البوسفور، بعد أن أعلن وزير البيئة وتخطيط المدن التركي عن الموافقة على مخططات إنشائها

أضحت قناة إسطنبول المائية- ونظرًا للتطور – الأصل في التجارة العالمية؛ ضرورة في الوقت الحالي للتخفيف عن مضيق البوسفور العالمي الذي يعبر منه أكثر من 40 ألف سفينة سنويًّا، رغم أن طاقتها تسمح بعبور 25 ألف سفينة فقط، بالمقابل قناة إسطنبول، التي ستسمح بمرور 185 سفينة يوميًّا؛ أي ما يعادل أكثر من 60 ألف سفينة في السنة، وبهذا سيتحول مضيق البوسفور تلقائيًّا إلى قناة مرور بحري ثانوية، فحسب التقديرات ستدر قناة إسطنبول ثمانية مليار دولار سنويًّا ما يسمح لها في غضون سنتين فقط تغطية تكاليف إنشائها، التي قدرت بما يقارب 12 إلى 15 مليار دولار، وسيبلغ طول القناة 45 كلم، وعمقها 21 مترًا، وعرضها 275 مترًا.

أسباب رفض المشروع:

رغم أن إنشاء قناة إسطنبول يعتبر مشروع العصر وأضخم ما سينجزه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، خلال فترات حكمه، وبالرغم من العوائد المالية الاقتصادية التي ستأمنها القناة لتركيا، إلا أن الإعلان عنها واجه كثيرًا من الحملات المعارضة، كان قد بدأها رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، برفعه شعار «yak kanal ya istanbul».

مخيرًا بذلك الرئيس التركي بين إنشاء القناة أو استقرار إسطنبول وتركيا عامةً، ليشير في تصريح له إلى أن شق القناة يعني انتهاك 7 إتفاقيات دولية أهمها اتفاقية مونترو ، ليصدر الضباط المتقاعدين في تركيا بيانًا يستهجنون فيه القرار الرئاسي الذي يقضي بالشروع في وضع أول لَبِنات القناة، فلماذا يعارض هؤلاء قناة إسطنبول؟

قد يؤدي إنشاء أردوغان لقناة إسطنبول للتخلي عن اتفاقية مونترو، وهذا ما تخافه جموع الضباط المتقاعدين المقربين من روسيا، خاصةً وأن توقيت البيان جاء بعد تفاقم الأحداث بين أوكرانيا وروسيا مؤخرًا، وبناءً على ذلك؛ فإلغاء الاتفاقية يجعل تركيا قريبة بشكل  أكبر من الأمريكان، ويضر بروسيا كدولة في البحر الأسود، وقد شبه الرئيس التركي بيان الضباط بالبيانات الانقلابية السابقة، وقال إن زمن الانقلابات في تركيا قد ولىّ وأن القناة سيتم إنشاؤها، أحبّ مَن أحب، وكره من كره، متحديًا بذلك معارضيه.

أمّا منظمات حماية البيئة فتعارض المشروع أيضًا؛ فهي ترى أن قناة إسطنبول من شأنها أن تدمر التوازن البيئي الطبيعي الدقيق بين البحر الأسود وبحر مرمرة المرتبطين حاليًا بمضيق البوسفور، ويتمثل هذا التوازن في أن ملوحة البحر الأسود أقل من بحر مرمرة ، والمحتوى العضوي لهذه الأخيرة أقل من البحر الأسود، وعليه فإن هذه النسب ستتغير إذا تم توصيل الاثنين بواسطة القناة.

من جهة أخرى فإن نسبة الأكسجين مهددة حسب المنظمات البيئية؛ ففي غضون 30 سنة؛ سينعدم غاز الأكسجين تمامًا في بحر مرمرة، وهذا ما سيؤثر على حياة الكائنات الحية بالمنطقة، ويساعد في قيام البكتيريا وانبعاث رائحة كريهة في جميع أنحاء إسطنبول، إضافة إلى زعزعة الطبقات الأرضية، ما يؤدي إلى زيادة نسبة وقوع الزلازل في إسطنبول التي تعتبر منطقة زلزالية في الأصل.

الرئاسة التركية ردت على هذه التهم، وقالت إن مشروع إنشاء القناة قد مرّ على مختصين في البيئة والجيولوجيا، وحصلت على موافقة من أكثر من 50 مؤسسة ومعهدًا مختصًا، ومن ضمنها مراكز تتبع لبلدية إسطنبول، وفيما يخص باتفاقية مونترو؛ فقناة إسطنبول لا تدخل ضمن الاتفاقية ولا تنتهكها، فاتفاقية مونترو تحكم المرور عبر مضيقي البوسفور والدردنيل فقط، وشق قناة إسطنبول الجديدة لا تدخل حيز الاتفاقية.

المشروع المجنون لأردوغان من شأنه أن يحقق لتركيا الاستقلالية والسيادة التامة على مضايقها المائية، لكن على تركيا وفي طريقها لتحقيق هذا، يجب أن تنتبه الجهات المختصة إلى الأخطار التي يمكن أن تنتج عن عمليات الإنشاء هذه؛ كون أي ضرر تسببه قناة إسطنبول سيضر بتركيا أولًا قبل أي دولة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد