إسطنبول قبلة الإعلاميين العرب

مع انطلاق موجة ثورات الربيع العربي أواخر عام 2010، حدث تحول جوهري في الإعلام العربي وفي طريقة رؤيته وعرضه للأحداث، وساهم ذلك في ظهور الكثير من القنوات والصحف والمواقع الإخبارية العربية الجديدة؛ لتغطي التحول الذي عصف بالكثير من دول المنطقة وشكل منعطفًا في سياسة تلك الدول وبالذات في تعاملها مع الإعلام المعارض الداعي لتغيير أنظمة الحكم القائمة.

ومما لا شك فيه أن ظهور قنوات تلفزيونية وصحف ومواقع إخبارية يتطلب أماكن آمنة ومناسبة تقوم عليها تلك الوسائل، وخاصة في منطقة يغلب عليها الأنظمة الشمولية والسلطوية التي ترفض أي أصوات معارضة قد تهز عروش ملوكها ورؤسائها، فكان لزامًا على تلك الوسائل الإعلامية الناشئة أن تبحث لها عن موطئ قدم تستطيع فيه العمل بحرية ودون قيود تكبح جماح شغفها بالحرية والتعبير عن طموحاتها؛ فكانت تركيا هي الخيار الأنسب لذلك، وبالذات مدينة «إسطنبول» التي تعد أحد أبرز حواضر مدن الشرق قديمًا وحديثًا، كما تعد واحدة من أهم المدن العالمية سياسيًّا واقتصاديًّا؛ ذلك جعلها مقصدًا رئيسًا لآلاف الإعلاميين العرب ومئات من وسائل الإعلام العربية المختلفة.

فوفقًا للإحصاءات الرسمية العربية والتركية يوجد في إسطنبول وحدها ما يقارب العشرين قناة تلفزيونية عربية تبث من إسطنبول تنتمي إلى دول أهمها (مصر، اليمن، سوريا، العراق، ليبيا)، بالإضافة إلى وجود عشرات المواقع الإخبارية والصحف الإلكترونية، وشركات الإعلام والإنتاج الإعلامي المختلفة التي تعمل مع طواقمها من تركيا.

يعزى ذلك الإقبال الكبير على تركيا لعدة أسباب يمكن إجمال أهمها على النحو التالي:

القرب الجغرافي والثقافي والروابط التاريخية المشتركة بين المنطقة العربية وتركيا.

سياسة تركيا النشطة تجاه المنطقة العربية، وموقفها السياسي المؤيد لثورات الربيع العربي.

هامش الحرية والاستقرار السياسي والأمني في تركيا مقارنة بدول المنطقة، وسياسة الباب المفتوح التي انتهجتها تركيا تجاه المهاجرين واللاجئين والمضطهدين.

وجود جالية عربية كبيرة في تركيا تحتاج لوسائل إعلامية تخاطبها، وخاصة مع وجود سيل من الهجرات التجارية والاستثمارية والسياحية والسياسية والثقافية والإنسانية من الدول العربية إلى تركيا.

هذه الأسباب وغيرها جعلت من تركيا قبلة للإعلام والاعلاميين العرب ومركزًا لاستقرارهم ومواصلة نشاطهم الإعلامي، إلى درجة أن البعض أصبح يلقب إسطنبول لقب «بيت الإعلاميين العرب»؛ وخاصة أن ما يزيد على 3 آلاف إعلامي وصحفي عربي يقيم في تركيا أغلبهم في إسطنبول وفقًا لإحصائيات وكالة الأناضول التركية الصادرة عام 2018.

بالرغم من كل ذلك إلا أن وسائل الإعلام العربية والإعلاميين العرب يواجهون تحديات عدة تعوق أعمالهم أحيانًا وتتسبب في إغلاق مؤسساتهم الإعلامية من تلك الأسباب:

صعوبة الحصول على التراخيص، والتحديات القانونية التي تعوق افتتاح المؤسسات أو مواصلة عملها.

تحديات اللغة التي تواجه المؤسسات الإعلامية العربية بسبب اختلاف اللغة، وعائق الاغتراب عن الميدان العربي الذي يمثل المصدر الأساسي لمنتجات المؤسسات الإعلامية العربية.

تحديات التمويل المالي الخاص بتلك المؤسسات الذي يعوق عملها وقد يكون السبب في إغلاقها.

تدهور قيمة صرف الليرة التركية مقابل الدولار وزيادة أسعار المنتجات والخدمات في البلاد.

إضافة إلى تحديات أخرى منها فنية وتقنية وبشرية تواجه المؤسسات الإعلامية العربية العاملة في تركيا. لكن برغم تلك الصعوبات والتحديات تظل أغلب تلك المؤسسات مستمرة في تقديم منتجاتها للمشاهد العربي في تركيا وفي الوطن العربي، مع محاولة الكثير منها الالتزام بالإجراءات والقوانين المعمول بها في تركيا؛ حرصًا منها على العمل في بيئة ملائمة دون مشاكل قد تضر بأحد، أو قد تؤدي إلى مشاكل قد تمنعها من مواصلة عملها وتحقيق أهدافها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد