شكلت خسارة الحزب الحاكم لانتخابات بلدية إسطنبول تساؤلات عن الثقل الذي يتمتع به حزب العدالة والتنمية ولنقل تحديدًا الرئيس رجب أردوغان، فمنذ قدوم أردوغان قبل نحو 16 عامًا كان الفوز لصالحه في جميع الانتخابات التي خاضها سواء كانت بلدية أو برلمانية أو رئاسية، في حين أن هذه هي الخسارة الأولى بعد حوالي 15 استحقاق انتخابي سابق.

في بادئ الأمر ظن كثير من أنصار أردوغان أن التزوير والتلاعب في الانتخابات التي سبقت مرحلة الإعادة هي ما جعل حزب أردوغان يخسر لكن الانتخابات المعادة عبرت عن أحقية إمام أوغلو الذي أعاد الكرة وفاز على منافسه بن علي يلدريم بل هذه المرة بفارق لم يتوقعه أشد المتشائمين من أنصار أردوغان وأشد المتفائلين من أنصار إمام أوغلو وصل لأكثر من نصف مليون صوت، لقد شكَّلت إسطنبول طوال تاريخ الجمهورية التركية بمكانتها التاريخية والسياسية والثقافية وثقلها الاقتصادي هدفًا أساسيًا للأحزاب المتنافسة حتى أنهم يقولون: «من يربح إسطنبول يربح الانتخابات» في ظل هذا شكَّلت خسارة إسطنبول ضربة موجعة لأردوغان نفسه الذي اصبح المحللون ينظرون لما بعده في الانتخابات القادمة، وتعود أسباب الخسارة فيما نرى إلى ما يلي:

  • الاقتصاد؛ الاقتصاد هو ما يبحث عنه الناخب وتركيا التي مرت بأزمة اقتصادية العام المنصرم أدت إلى خسارة الليرة 30% من قيمتها بسبب المشادات بين أنقرة وواشنطن عقب احتجاز القس برونسون الذي اتهمته أنقرة بالتجسس، كما أن أحد الأسباب كما قال المسؤولون يرجع إلى تلاعب بسوق العملات من قبل دول لم يسمها الأتراك، هذه الأزمات خلقت مشاكل للمواطن التركي أدت إلى تراجع القيمة الشرائية وزيادة التضخم والأسعار مما أدى إلى سخط الشعب على الرئيس أردوغان وحزبه.
  • اللاجئون؛ لا شك أن أردوغان حمل على كاهله ملف اللاجئين السوريين الذي فروا من سوريا جراء الحرب التي عصفت بالدولة ولكن وبالرغم من أن أردوغان كسب تعاطف الملايين حول العالم خاصة العرب، إلا أن قراره كما تقول المعارضة أدى إلى إرهاق خزينة الدولة وزاد بارتفاع معدلات البطالة بين الشباب التركي لحساب اللاجئين، إمام أوغلو الذي سخَّر الملف وأداره بخبث وجعل من اللاجئين عدوًا يطارد الأتراك في أرزاقهم ويأخذون مقاعدهم في العمل والجامعات والمستشفيات خوله الصعود إلى رأس إسطنبول.
  • بن علي يلدريم ذاته؛ لا أظن أن ترشيح بن علي يلدريم كان أمرًا صائبًا فالشيخ البالغ من العمر 63 عامًا ورغم ترأسه للحكومة في فترة سابقة إلا أنه لم يستطع على ما يبدو أن يقنع الأتراك وخاصة الشباب منهم الذين يشكلون غالبية المجتمع، ونرى أنه من الأولى كان إعادة ترتيب الأوراق والوقوف على أسباب الخسارة التي تجرعها الحزب في مرحلة ما قبل جولة الإعادة التي أثبتت بأن يلدريم لم يستطع إقناع الأغلبية بل إن إعادة ترشحه لربما أثارت غضب بعض المناصرين وهذا ما أدى لزيادة الهوة ما بين المرشحين بعدد أصوات كبير.
  • وحدة المعارضة واختلاف الحزب الحاكم؛ بالرغم من الخلافات التي تعصف بأحزاب المعارضة خاصة الحزب الجمهوري الذي يبدو أن هناك صراعًا على رئاسته من قبل الرئيس الحالي كمال قلجدار أوغلو ومرشح الرئاسة السابق محرم أنجى إلا أنه على ما يبدو اختار الحزب وباقي أحزاب المعارضة تجاوز هذه الخلافات وأجمعوا على مرشح في وجه أردوغان يملك القبول وحيوية الشباب، أما على الصعيد الآخر فيبدو أن هناك حالة من الخلاف ستترجم في الأيام القادمة بانشقاق من قبل عبد الله غل الرئيس السابق ورئيس الحكومة السابق داوود أوغلو، وكما تتحدث الأنباء عن إمكانية تشكيل حزب معارض يولد من رحم حزب العدالة والتنمية مما سيضعفه في قادم الاستحقاقات.

الرئيس أردوغان الذي غير وجه تركيا للأفضل وارتقى بها إلى مصاف الدول العالمية وجعلها من أكبر 20 اقتصاد عالمي إضافة إلى وضع تركيا على خارطة العالم من ناحية عسكرية بحيث دخلت سوق تصدير السلاح بقوة، هذا الرجل الصلب الذي وقف مع قضايا المظلومين في كل مكان واستقبل اللاجئين الذين ضاقت عليهم أرضهم جراء الحروب والنزاعات، كما أنه أعطى الحريات لكافة الأتراك والمسلمين المحافظين منهم خاصة بأن رفع الحظر المفروض على الحجاب لا بد له بعد ما يقرب من 20 سنة -في حينها- لا بد له من أن يترجل فكما للسن حكمه فأيضًا للمنافسة قواعدها، أردوغان الذي وضع فكرة لا بد أن يستمر بها من خلال تثبيتها وتقديمها بأشخاص جدد وأعتقد أن صهره براءات البيرق الذي بدى تخطيطه واضحًا إبان أزمة الليرة وكان له الفضل الأول في تخفيف أثر الأزمة كما أنه أول من أنذر أردوغان بمحاولة الانتخاب الفاشلة، يبدو بالتالي أنه الأقرب لخلافة أردوغان، في حين يبدو أن المعارضة ستجتمع على رجل كسر هيمنة حزب العدالة والتنمية هو إمام أوغلو.

أخيرًا يجب ملاحظة أن بن علي يلدريم ليس الوحيد الذي لم يحظ على ما يبدو بالقبول والكاريزما التي يتمتع بها أردوغان عند الشعب التركي بل هذه الخاصية يشترك فيها الحزب ذاته الذي في انتخابات الرئاسة لم يحقق الأغلبية في حين كسب الحزب القومي التركي شريك حزب العدالة الأصوات الذي خولته الوصول للأغلبية، ناهيك أن الانتخابات البلدية لم تقصر خسارة الحزب على إسطنبول فقط بل إنه خسر العاصمة أنقرة التي سيطر عليها منذ حوالي 25 عامًا، هذا التراجع يطرح سؤال عن استراتيجية الحزب في السنوات القادمة خاصة في ظل ازدياد على ما يبدو الأزمات الاقتصادية وأزمة اللاجئين، كما يطرح سؤال بماهية حزب العدالة والتنمية وهل سيبقى له أي دور في تركيا ما بعد أردوغان؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد