إن الاستبداد جميل، بل مطلوب أيضًا عندما تتهدد المصلحة العليا للدولة والمجتمع، ولا يهم النتائج ولكن المهم هو قيامه بواجبه. فالفشل ليس سببه تقصير ذلك المستبد أو الاستبداد الذي كان يقوم به، بل هي المؤامرة التي حيكت على ذلك المستبد من قبل الدول التي لا تريد لنا أن نتقدم ونصبح في مصاف الدول والمجتمعات المتقدمة. فلو ترك له المجال لنجح وقاد البلاد إلى التطور والنجاح.

هذا فقط عندما يكون المستبد محبوبًا بالنسبة لنا، أما إذا كنا نكره المستبد أو يخالف توجهنا الفكري أو الديني فعندها يصبح الاستبداد قبيحًا، ويصير الاستبداد سبب خراب الدول، فالاستبداد مصيبة تقع على رؤوسنا. وإذا كانت نتيجة عمل المستبد الفشل، فسوف نسوق الحجج والبراهين على أن الاستبداد هو من قاد لهذه النتيجة، وأن ما حصل هو ما جره علينا ذلك المستبد.

لوهلة سيسأل سائل، وهو يقرأ كلماتي السابقة، هل أنت مجنون؟! وهل هذا مقبول بعد الربيع العربي؟! سيقولها مستنكرًا لا مستفهمًا، معتبرًا أني أحمق أو مؤيد للديكتاتوريات. وإن كنت أجزم اني غير مؤيد للديكتاتوريات فإن مسألة الحماقة هي مسألة نسبية بين الناس، فربما كنت أحمق بنظر البعض، على كل الحديث ليس عني.

لو تجاهلنا عنوان المقال، ونتحدث عن إحدى أهم الشخصيات في التاريخ المعاصر، فرغم أنه مر على وفاته ما يزيد على مئة سنة، فإنه ما زال أحد أكثر الأشخاص الذين يجري ذكرهم في أيامنا هذه، سواء كان هذا الذكر بمسلسل يحيي ذكراه، أو بمكان يحمل اسمه، أو بمسجد أو جامع بني في عهده، أو أثر من عهده، أو حتى موقف سياسي مشهور له ما زال يتكرر ذكره إلى الآن. إنه لا شك السلطان عبد الحميد الثاني.

لم يكن عبد الحميد الثاني ذلك الشخص المتدين كما يحلو لبعضنا تخيله، نعم كان يحب الدين، ولكن بوصفه خليفة عثمانيًّا عاش في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فكان أبناؤه جميعًا صبيانًا وفتيات يعزفون على الآلات الموسيقية، وأظن أن أسرته لم تكن ملتزمة بالحجاب الإسلامي المعروف، وربما إثباتي المادي الوحيد على ذلك هو صورة ابنته عائشة على الصفحة الأولى من مذكراتها. لقد عانت تلك الأميرة كما عانت كل الأسرة التي أجبرت على الخروج من تركيا بقرار جمهوري لست في صدد الدخول في تفاصيله. ولكن كإنسان أعلم معنى طردي من بلدي وحرماني من حقوقي فيها، أعلم صعوبة هذا الأمر ومرارته.

حكم السلطان عبد الحميد 33 سنة منها 30 حكمًا مطلقًا، كان الآمر الناهي، لا دستور، لا برلمان لا شيء من أشكال الحياة السياسية التي طالب بها الربيع العربي، وعلى الرغم من هذا نجد معظم رواد هذا الربيع يحبون السلطان، ويجلونه بل ربما يقدسونه، إنه صاحب الموقف المشرف من فلسطين، وصاحب الحنكة السياسية ومشروع إخراج الدولة العثمانية من غيبوبتها إلى مصاف الدول المتقدمة، فذلك أهم من البرلمان والدستور وهذه الأمور. ومن يشك أن عبد الحميد كان مستبدًّا فليقرأ فقط كتاب الاستبداد للكواكبي، فالكواكبي كتب الكتاب وكان يقصد به السلطان عبد الحميد. إذن عبد الحميد كان مستبدًّا، يسجن وينفي ويكمم الأفواه، كان النقد غير مرحب به، وكانت جهاز مخابراته يغلي في الطرقات والأزقة. ولكن تبقى الغاية الكبرى في حفظ الدولة والأمة أهم من تفاصيل الحرية والديمقراطية والحياة السياسية.

على النقيض تمامًا ستجد أولاء أنفسهم الذين يحبون عبد الحميد ويمتدحونه، يشتمون مستبدًّا آخر جاء بعد عبد الحميد بأربعين سنة، وهو رئيس مصر الأسبق جمال عبد الناصر. عبد الناصر قال ما قال به عبد الحميد، إن الدولة والمصلحة العامة أهم وأولى من الحريات والديمقراطية والدستور والحياة السياسية، وكان لديه مشروع هو الآخر لإنشاء دولة قوية يكون لها مكانة مهمة بين الدول. ومثل سلفه عبد الحميد، كانت لديه رؤية إستراتيجية مهمة في الجغرافية السياسية ولكنه مثل عبد الحميد واجه ظروفًا صعبة على مستوى السياسة الدولية حالت دون مشروعه. واصطدم بدوره بإمارات الخليج العربي وممالكها التي وقفت ضد مشروعه كما وقفت ضد عبد الحميد في مشروعه.

فشل مشروع عبد الناصر كما فشل مشروع عبد الحميد من قبل، فالحكم من خلال النتيجة لن تعطي أفضلية لأحد الطرفين، أما الحكم من سلوك الحكم فهو متشابه إلى حد كبير، أما الحكم من خلال محبة الدين، فهو نسبي بين الناس، وربما لا يعول عليه الكثير في المصلحة العامة، فالقوة والحكمة والأمانة هي المعيار.

لا أريد أن يفهم من مقالتي هذه أني أؤيد سياسة عبد الحميد أو عبد الناصر فهذا مبحث طويل مستقل، ولا أني أشتمهما فأنا لا أحب الشتم في التاريخ كثيرًا، ولكني أدعو أن نتعامل مع التاريخ بميزان واضح، من التجارب الناجحة والفاشلة، والإيجابيات والسلبيات حتى نستطيع التعلم من التاريخ بطريقة فعالة. لا مديح عبد الحميد يفيدنا ولا شتم عبد الناصر، ولا العكس أيضًا، ما يفيدنا هو أن نستفيد من تجارب التاريخ في واقعنا الحالي. كما أني لا أدافع عنهما، فلست مستعدًّا لأن أقف بين يدي ربي أسأل عن فعل غيري، لكلمة قلتها أدافع بها عن ظلم حصل ضد بريء، فأنا في غنىً عنها.

ولكن علينا أن نعلم أن التاريخ لا يؤخذ بالمحبة، ولا بالبغض، ليس لتجارب التاريخ علاقة بالعاطفة، بل هي قوانين وعبر نستلهم منها دروسًا وعبرًا، ستأخذنا لنتائج من تلك القوانين التي لا تتبدل، وعلينا فهمها، ومعرفة كيف يمكن تفعيلها في واقعنا المعاصر.

فهل الاستبداد مقبول في حالات وغير مقبول في حالات أخرى؟ وما الذي يحدد قبول استبداد ورفض آخر؟!

شخصيًّا أنا أحب الحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد