هناك أنواع كثيرة من السياسيين، وكل نوع له منهج، وطريقة تفكير، وأسلوب مختلف. فهناك السياسي الذي يتعامل مع الواقع عن طريق ما يتمناه ونجده يكرر دائمًا عبارة «شعب مصر العظيم» وفي الوقت الذي تُركتْ  فيه علامة على قفا الشعب المصري نجده يقول «الشعب الذي علم البشرية»، وغيرها من العبارات الرنانة والتي ليس لها أي صلة بالواقع.

هناك السياسي الذي يحتقرالشعب ويعتبره سلعة وفي هذا يشترك كل من العسكر والتيار الإسلامي، إلا أن الفارق بينهما أن العسكر يريد أن يحافظ على الدولة جزءًا من الماضي ولذلك نجد البيروقراطية، وعدم الخيال في ابتكار الحلول للمشكلات الموجودة على أرض الواقع وما أكثرها، وترهل مؤسسات الحكم، وتغول طبقة المنتفعين اقتصاديًا واجتماعيًا (العصابة)، وتخيل معي عزيزي القارئ أن السيسي كان عضو المجلس العسكري تحت حكم حسين طنطاوي، وطنطاوي كان وزير دفاع مبارك، ومبارك كان نائبًا للسادات، الذي كان بدوره نائبًا لجمال عبد الناصر. عقلية العسكر توقفت في الخمسينيات، وحولت الدولة إلى خرابة.

أما التيار الإسلامي فيعتبر الدولة بداية لمشروع يمتد خارج حدود الدولة اسمه الدولة الإسلامية، ولذلك قال محمد مهدي عاكف (المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين): «طظ في مصر ولا أرفض أن يحكم مصر رجلٌ من ماليزيا». مشروع يحمل تحت رايته كل الدول الإسلامية لإعادة أمجاد الماضي في أزمنة الغزوات والفتوحات، لذا فإنه ليس من المستغرب أن ينظر الكثير من أفراد التيار الإسلامي إلى أردوغان وكأنه خليفة المسلمين الذي يمتلك شرعية إلهية.

السياسي المصري هو سياسي طماع وغير مكتمل النمو.

لماذا طماع؟

انظر عزيزي القارئ لحال التيار الليبرالي في مصر وكم هو متفرق ومتشرذم ومثير للشفقة. انظر عزيزي القارئ إلى كم النزاعات الشخصية والخصومات بين أفراد يتم اعتبارهم قيادات للتيار الليبرالي لأسباب تافهة، والكل لا يريد أن يتنازل ويقترب من الآخر في هذه الفترة الحالكة من تاريخ الوطن. انظر عزيزي القارئ إلى كم المبادرات التي يقدمها أفراد التيار الليبرالي والتي هي متشابهة في المضمون ولكنهم لا يستطيعون الجلوس سويًّا لبلورة مطالب عامة ومحددة يتفق عليها الجميع بسبب طمعهم وحب كل منهم أن يكون نجم الشباك.

دعونا نكن أول من ينتقد نفسه ويجلد ذاته ونقر أن عواجيز التيار الليبرالي الذين قفزوا على الثورة واستبعدوا الشباب لم يقلوا خطورة على الثورة من الفلول والتيار الإسلامي، معظمهم لهث وراء المواءمات والمفاوضات والظهور الإعلامي من أجل قطعة من التورتة وبعض من الشهرة، ومنهم من وهب نشاطه السياسي لمصالحه الاقتصادية، ومنهم من رفض اتخاذ قرارات مصيرية بحجة عدم الاستقطاب، ومنهم من عمل على تخريب التيار وكان أكثر برجماتية من الإخوان أو كان تخريبه بأوامر من المخابرات. هذا كان له أكبر الأثر بين الشباب الذين افتقدوا القدوة والقيادة فورثوا تشرذم القيادات  فتفرقوا واختلفوا.

دعونا نذهب في رحلة نستعيد فيها الأجواء بعد الثورة وكم الأحزاب السياسية التي كانت موجودة أو التي تم تأسيسها ثم انتهى بها الأمر أن تحولت مقارّها إلى جراجات ومحلات خضار:

الجبهة الديمقراطي، العدل، الوفد، الغد، المصريون الأحرار، المصري الديمقراطي الاجتماعي، مصر الحرية، التجمع، العمال الديمقراطي، التحالف الشعبي، الشيوعي، الأحرار الاشتراكيون، الاشتراكي المصري، الأمة، الناصري، مصري العربي الاشتراكي والأمة. بالإضافة لأحزاب التيار الإسلامي كالحرية والعدالة حزب الإخوان، وأحزاب المخابرات السلفية.

تخيلوا أن كل هذا الكم من الأحزاب والحركات والتي يطلق عليها التيار المدني حافظوا على تماسكهم حبًا للثورة وللفقراء وتشريفًا لتضحيات الشهداء والمصابين وانتهازًا لفرصة تأسيس دولة ديمقراطية يحكمها القانون. هل كان من الممكن اختطاف الثورة منهم؟!

للكثير من الوقت كنت أخدع نفسي وأقول إن قيادت التيار المدنى مخلصون، وأنه مهما اختلفنا في وجهات النظر إلا أن هدف الجميع واحد، وأن مِن الأفضل ألا ننشر غسيلنا القذر أمام الآخرين، ولكن كل هذا هو محض هراء. هذه القيادات ليس لديها أي إحساس بالمسؤولية أو فكرة عن ما تمثله الثورة للشباب الصغير من مواليد الثمانينيات والتسعينيات، لذا فإن الدولة تتركهم بدون مساس لأنها قيادات من ورق  بدون أي تأثير أو رؤية. في الوقت الذي تعلم فيه الدولة جيدًا تأثير الشباب الحقيقي المخلص، والذين يقبعون في السجون لا حول لهم ولا قوة.

 

لماذا السياسي المصري غير مكتمل النمو؟ لأن السياسي البارع هو الذي يستطيع قراءة الواقع جيدًا من أجل تعديل المستقبل. ولقراءة الواقع جيدًا لابد من البحث جيدًا عن التغير في تركيبة المجتمع المصري (علم الاجتماع السياسي)، وهنا أريد القول إنني لم أقرأ دراسة حقيقية أو مجموعة مقالات لسياسي مصري أشعرتني أن هذا الشخص يعلم ما الذي يحدث جيدًا على أرض الواقع!

ذكاء السياسي يخونه ويهيئ إليه من خلال متابعته للأخبار أنه يعرف كل صغيرة وكبيرة وهذا أمر مغلوط تمامًا، لأن السياسي عليه الالتحام بالجماهير وبالطبقات الدنيا من الشعب وليس كافيًا أن يذكر أحدهم أنه تكلم بضع دقائق مع بواب العمارة أو مع المرأة التي تساعد في تنظيف البيت وتشتكي من غلاء الأسعار. وهنا سأقوم بذكر تحليل جميل للأستاذ وليد درويش معلقًا على فوز ترامب ومن قبله خروج إنجلترا من الاتحاد الأوروبي: «كلتا الحالتين سببتا دهشة ومفاجأة غير متوقعة للكثيرين، ولكن القارئ للأحداث لن يجد أي دهشة، لأن خصائص الطبقة الحاكمة تغيرت في نصف القرن الأخير. بعد الحرب العالمية الثانية كان السياسيون قريبين من الشعب، يعبرون عن آماله ويفهمونه جيدًا، لكنهم بمرور الوقت ابتعدوا شيئًا فشيئًا وتزوجوا فيما بينهم وأصبحوا أسرًا حاكمة تقريبًا واتسعت الهوة بينهم وبين عامة الشعب، حتى شعر الشعب أن طبقة السياسيين لا تعبر عنه وما كان منه إلا أن عاقب هؤلاء السياسيين عن طريق انتخابات ديمقراطية، عقابًا ينذر بتغيير النظام العالمي».

وأنا أتساءل إذا كان هذا التباعد المخيف بين طبقة السياسيين وبقية الشعب قد حدث في بلاد ديمقراطية، يتم انتخاب القادة السياسيين عن طريق انتخابات حرة من قبل المواطن؛ فكيف يكون هذا التباعد في بلاد تعتبر الديمقراطية والعدالة الاجتماعية بها من رابع المستحيلات؟

الدولة لن تتغير ولن يقوم لها قائمة ما دام عواجيز التيار المدني تتصدر المشهد بدون أي دور للشباب. وما دامت الطبقة الفقيرة (90% من الشعب المصري) مستبعدة من فرص العمل السياسي. أنا أعرف جيدًا وبصورة شخصية الكثير من شباب نشيط، وجيد جيدًا، يعيش في القرى والنجوع في حاجة لدعم وتنظيم سياسي لكي يقوموا بالتأثير القوي في محيطهم المعيشي. أما الشخصيات الموجودة حاليًا على الساحة السياسية والتي أصبحت كروتًا محروقة ومستخدمة من قبل النظام فيمكنهم ترك أماكنهم للمتحمسين الراغبين في تحمل المسؤولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد