نؤمن جميعًا بأن التعميم في الأمور ومعاملة الكل بالدرجة نفسها، هي فكرة غير ممكنة وغير مقبولة على الإطلاق. لكن في بعض الأحيان وبعض الموضوعات يمكن أن أخبرك بأنه ما من إنسان في الوجود إلا وقد جرب مفهوم الصدفة. إلم يكن مؤثرًا بها أحيانًا فهو المتأثر. ومن هنا وجب ذكر الموضوع الذي ربما قد يثير الشك والاستغراب عند بعض الناس من وقت لآخر. كثير من الناس يؤولون العديد من الأحداث في حيواتهم إلى الصدفة. وقبل الالتفات للأحداث يجب الالتفات للمسمى الموضوع لها، ليتسنى لنا فهمها في أفضل صورة ممكنة.

ما هي الصدفة؟

– الصدفة عند الفلاسفة: هي كل حدث متميز.
– الصدفة هي الحدث الذي يحدث دون سبب معروف أو ترتيب مسبق، وهي كل ما يتناقض مع كل نظرية حتمية تستند لكل حدث بأسباب معينة.
– الصدفة هي: أي حدث يحدث بشكل مفاجئ، كالالتقاء بصديق أو شخص تعرفه دون تدبير الموعد أو تحديد المكان، فيصبح حدثًا غير متوقع على الإطلاق.
– وقد عرفها بعض الفلاسفة على أنها الحدث الذي يحدث عندما يتعثر الشخص، وينتج من التعثر شيء من حسن الظن، خاصة عندما لا تكون النتيجة على صلة بأصل الموضوع. ولا ننسى أنهم قد أسندوها أحيانًا إلى العشوائية.
أما العالم النفسي الشهير كارل جوستاف يونغ فقد ذكر في كتابه «التزامنية مبدأ اتصال غير سببي» قائلًا بأن التزامنية ما هي إلا انعدام الصدفة، حيث ندرك أن الأحداث من حولنا قد تثير الاستغراب والاندهاش لانضباط وقتها واتصالها بأشخاص وأماكن ووقائع لها مغزى ومعنى. وهو الأمر الذي استند إليه يونغ في شرح الكثير من الأحداث التي يعزوها الناس للصدفة، نظرًا لانتفاء علاقة السببية بينهما.
_ ولكن هل تظن حقًّا أنها مرتبطة؟

الغالب على ظني أن كل الأحداث مرتبطة بشكل أو بآخر ضمن ما يطلق عليه العلماء «اللاوعي الجمعي»، وهو مذهب المدرسة التحليلية في علم النفس، وهو ما عرفه يونغ بأنه الذاكرة الجماعية للبشر على مر العصور، والتي تربط بين البشر والكون في تناسق محكم، وهو الأمر الذي اختلف فيه يونغ مع فرويد، وأنا كلي ثقة بأنه ما من شخص على وجه الأرض إلا وقد طرأت عليه بعض الأحداث التي أرجع مآلها للصدفة، ومنها نشأت الأقوال المأثورة في كلماتنا مثل «رُب صدفة خير من ألف ميعاد». ورُب صدفة غيرت مجرى الحياة. وهذا دليل على أن البشر متصلون، ولديهم الأفكار نفسها في مختلف العصور والأزمان والثقافات، ويمكن أن تعرف أكثر عن ذلك من خلال الاطلاع على الأقوال المأثورة وتاريخها، والأمثال الشعبية وتداولها، ولكن هذا موضوع آخر.

وللوقوف على حقيقة الصدف كان علي التمعن فيما يطرأ على حياتي من أحداث غير مدبرة أو مرتبة من قِبلي، وما نتج من ذلك كان هو الدافع لفكرة هذا المقال وتداوله مع حضراتكم. ولم يكن علي التمعن لوقت طويل للخروج بتعريفي الشخصي لتلك الظاهرة، بل إن يومًا واحدًا كان كفيلًا للوقوف على كل هذا، وعليه فسأذكر لحضراتكم ثلاث مواقف حدثت معي في يوم واحد، كانت هي المسبب الرئيسي لكل ذلك.

_ خرجنا في رحلة قصيرة ليوم واحد، أنا وصديق لي من المدينة التي نقطنها إلى مدينة مجاورة؛ بغرض الاطلاع وكتابة بعض التقارير. وإذا بصديقي الذي لا يأكل اللحم على الإطلاق يخبرني عن صديق آخر له بالمواصفات نفسها يعمل طبيبًا بيطريًّا بالمدينة نفسها التي نحن على وشك زيارتها، وأن هدفه الأسمى في الحياة هو أن يثني الناس عن أكل لحوم الحيوانات بمختلف أنواعها. فطلبت بدوري إن كان بالإمكان مقابلته للتعارف، فأنا متلهف لمعرفة طريقته في إقناعي للعدول عن أكل اللحوم. لكن صديقي رد قائلًا بأنه من المؤسف أن ذلك الصديق غير موجود في المدينة اليوم؛ لأنه يقضي إجازته مع عائلته الثرية في ميامي الأمريكية. فأنهينا الحديث في ذاك الموضوع، وبدأنا رحلتنا بزيارة المزارات السياحية التي كانت مقررة في الجدول، ولما هممنا بتناول طعام الغداء قررنا أن نذهب إلى مطعم يقدم الوجبات التقليدية الخاصة بالمدينة، وإذا بالمطعم الأول الذي اخترناه مغلق لغرض الصيانة، فذهبا إلى مطعم آخر ليس ببعيد، وإذا بالمدير هو أحد طلابي بقسم اللغة العربية. الذي أعلمني بدوره أن المطعم ملك لوالديه، وأنه يساعدهما في العطلات ويتقاضى أجرًا على ذلك. ورفض أن ندفع الحساب وأصر على القيام بذلك عنّا. فشكرناه وخرجنا نستكمل باقي الرحلة لنزور أعلى برج في المدينة، وإذا بي ألمح إنسانًا يخيل إلي من مظهره أنه مصري. فتعرفت إليه وإذا به يقول إن أبويه كانا مصريين، لكنه تشيكي ولا يتحدث العربية على الإطلاق، فأنهينا الحديث وأنهينا الرحلة، وذهبنا للحاق بالقطار. فقال صديقي ما زالت لدينا أربعون دقيقة حتى موعد القطار القادم، لم لا نتذوق المثلجات هنا؟ فهم مشهورون بصنعها. فقلت حسنًا لنذهب. لكن ولأننا لم نكن نملك خدمة الإنترنت فقررنا الدخول إلى أحد مراكز التسوق لاستخدام شبكة الإنترنت لديهم، وتصفح أماكن بيع المثلجات. وما إن دخلنا مركز التسوق حتى ضرب أحدهم صديقي على كتقه قائلًا «يا لها من صدفة»! وما هو إلا ذاك الصديق الذي كان في ميامي. ولما سأله صديقي كيف ذلك، فقال عدت مبكرًا لاجتماع طارئ. وما لبث صديقي يقول يا لها من صدفة، حتى دونت الموقف في ذهني. أجلنا القطار لمدة ساعتين وقضينا بعض الوقت مع ذاك الصديق، الذي كان يحاول إقناعي بشتى الطرق بالتوقف عن تناول اللحوم. انتهت رحلتنا وأخذنا القطار إلى حيث نسكن، ولما وصلنا كانت الساعة ما تزال التاسعة مساء فقررنا الذهاب للعب البولينج في مكان مألوف وحجزنا قبل الوصول. ولما وصلنا كان علينا الانتظار لمدة 15 دقيقة حتى يحين دورنا، والمفاجأة أن من كانوا يلعبون البولينج وقتها هم الأشخاص أنفسهم الذين كانوا في القلعة صباح ذلك اليوم. فتحدثنا وأخدتنا الدهشة وتمكن منّا جميعًا الاستغراب لعدة لحظات. ثم آلها الجمع للصدفة. دعني أخبرك الآن عن المترتب على أحداث ذلك اليوم غير المرتبة. لو ذهبنا إلى مطعم ندفع فيه ثمن الوجبات لما توفرت لدينا نقود كافية للذهاب للبولينج تلك الليلة، ولو أخذنا القطار الأول ما حظينا بالخصم على التذاكر لأنه كان قطارًا يتوفر بالحجز المباشر فقط، وليس بالحجز الإلكتروني. لو أننا ما قابلنا ذلك الصديق الذي يعمل طبيبًا بيطريًّا لم يتذوق اللحم في حياته، و لأن محادثتنا انتهت بأني جربت اللحم وقراري أني أحبه، أما هو فلم يجرب اللحم إطلاقًا ولا يعرف طعمه. والتعصب لشيء ما يكون بعد خوض التجربة الذي يتحتم علينا المرور بها أولًا، فقرر أن يتذوق اللحم وأتت النتيجة بأنه أصبح يحب اللحوم، لكنه لن يتخلى عن علاج الحيوانات وهذا رائع. لو ما ذهبنا إلى البولينج في الليل لما تسنى لشبيه المصريين أن يفكر في زيارة مصر أو التقرب إلى العرب، لأنه كان يعاني من الإسلاموفوبيا.

وأنا لا أُرجع أيًّا من هذا للصدفة، ويمكنك القول بأني لا أؤمن بوجود الصدفة، بل أؤمن بقول الله تعالى «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ» والقدر في هذه الآية هو: القدر المعلوم بالمقدار المعلوم وبالكيفية المعلومة. هذا ما يسمى في الإسلام بالقدر.

وإلا فكيف ترجع الاكتشافات العلمية التي حدثت كما يقولون عن طريق الصدفة، والتي غيرت العالم وأحدثت ثورات في كل المجالات. ومنها على سبيل المثال لا الحصر: اكتشاف ألبرت هوفمان لعقار الهلوسة عندما كان يعمل على محاولة العثور على مشتقات طبية للقضاء على بعض أنواع الفطريات التي تنمو على القمح.
وعندما عثر ألفريد نوبل على مشتق الديناميت وهو المسمى بالجلجنيت بعدما خلط الكولدبوم مع النتروجلسرين عن غير قصد.
وألكسندر فليمنج الذي اكتشف البنسليين عن طريق الصدفة. وغير ذلك الكثير من الاكتشافات التي غيرت مجرى حياة البشرية فأنقذت أرواحًا حينًا أبادت حيوات الآخرين حينًا آخر. منها صبغة النيلي، والحرير الصناعي وطيف الشمس وغيرها.
لذلك قال لامني ستوسكويف: ينبغي الاعتراف بأن الاكتشافات العلمية التي تحدث عن طريق الصدفة، هي اكتشافات ذات قيمة في تقدم العلم، وغالبًا تؤسس فقرات فكرية مهمة.

تعقيب: كل ما ذُكر ما هو إلا جزء من كل، وبعض من فيض وقليل من كثير. وأنا على المستوى الشخصي لا أؤمن بالصدف طالما أن هناك دينًا وإلهًا ومرجعًا. يحدث كل ما يحدث طبقًا لقوانين إلهية عظيمة مدبرة بدقة فائقة وعناية هائلة. لأسباب تفوق تصورنا وتتجلى وتتعالى عن إدراكنا، لو أنه سبحانه وتعالى ينسانا ما مكن أحدهم من اكتشاف البنسليين، أو غاز التبريد، أو البنج أو غيرها. القدر هو أحد أركان الإيمان الستة، والقدر مسألة صعبة جدًّا كالموت، يطرآن علينا فتفكر بهما ليشرحا لنا القصة كلها، ويؤكدان على أننا مخيرون في تحديد الوقت وإقرار الأماكن والأشخاص، لكنه لا دخل لنا فيما تؤول إليه الأمور. وأحيانًا نستشعر أنفسنا كأدوات استخدمت في تغيير حياة آخرين. والحمد لله الذي استخدمنا ولم يستبدلنا! وفي الوقت الذي يعزو الآخرون فيه مآل الأمور والأحداث إلى الصدفة نقول نحن «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)» (سورة القمر)
وإلم تظهر لك مآلات الأمور والأحداث غير المرتبة عاجلًا، فآجلاً ستدرك تدابير الله لك في كل حال. فهو سبحانه وتعالى القائل: «وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (59)» الأنعام.

دمتم في نعيم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد