ربما هذه ظاهرة كونية، كثيرًا ما تندثر مهاراتٌ كثيرة وتُطوى في طيّ الكتمان، أعرف ذلك الرجل الذي أصبح شيخًا الآن، أحسب أنه يمتلك من الخيال ما يُطوع له قلمه لكي يكتب ويكتب وينتهي هذا الزمان وزمان آخر وهو لا يزال يكتب، لعل هذا لثقافته المُبالغ فيها، فشيخنا يعلم في كل بابٍ فصولًا كثيرة، لعلها أصالة موهبته وتعمقها، لعلها منحة من الرحيم، لا أحد مِنّا يعلم.

شيخي ذاك علّمني دونما تعمد وقصد أن النهر يَنبُع من بيتك، ولكنك ترتحل أيامًا وقد تكون سنين طويلة لتصل إلى بركة المياه العكرة في آخر البلاد، شيخي يملك القلم والبنان ولكنها هذه الحياة، شيخي لم يكتب إلا كلمات قليلة مقارنة بما يحويه بنانه، لا أعلم لماذا أتذكر هذا دومًا، لكلٍّ مِنّا مهارة فذة لا يوجد على وجه البسيطة من لم يخصه الرحيم بهبةٍ ما.

أقلهم حظًّا أصحاب الأقلام العابثون في الأوراق، كاتبو المسودات المبعثرة، مُمَزقو الورقيات، الكاتبون، أكثرهم مهارةً لم يسمحوا لأنفسهم بأن يتشبثوا بأوراقهم أكثر، ولم يدعوا لخيالهم الخصب مجالًا للانطلاق دونما توقف، هؤلاءِ انغمسوا في دوامات الحياة المتكررة ما بين الحصول على شهادة جامعية لا قيمة لها في هذا العصر، وما بين السعي المُفرِط بحثًا عن وظيفة الأحلام التي يحسبون أنها بداية لراحتهم الأبدية، ومن ثم زوج وأولاد يتربون في كنفهم، ناهيك عن بيتٍ وسيارة وإلى آخره.

شبكة متصلة يحسب المساكين أنها تنتهي اليوم أو الغد، لكنهم لم يفهموا يقينًا أن راحة الدُنيا لحظية، وأن الآخرة لهي دار السلام والسكون، هؤلاءِ المساكين تركوا مقاعدهم التي حُفِظت لهم، تركوا قدرتهم الفذة على تطويع الكلم، لم يمنحوا أنفسهم مساحةً كافية ليخبروا العالم أجمع أو حتى أنفسهم أنهم يقدرون، يقدرون أن يُعَبِروا عن هؤلاءِ الذين لم يملكوا هبة النقش على الأوراق، بأن يُمسِكوا ورقةً عريضة وينغمسوا في قنينة الحبر القابعة بين أناملهم وينتقلوا إلى عالم آخر ممتطين أحصنة خيالاتهم اللامحدودة.

تمنيت لو أن قدراتهم الفذة لا تُنسى كما نُنسى نحن، تمنيت لو قرأتُ كتابًا لشيخي ذاك يُفرغ فيه مُخَيلته الخصبة دافعًا الكون أجمعه إلى زاوية أكثر عقلانية، الواقفون في آخر الطريق المستسلمون المرددون بأنهم كصفر في الخانة اليُسرى لا قيمة لهم هم أكثر الخليقة هِبةً ومِنَحًا، لكنهم واقفون في آخر الطريق لا يُحَرِكون أصابعهم ولا أقدامهم خطوةً واحدةً للأمام، هم يستمرون في تحطيم أنفسهم دونما إدراك لما يُفقد في هذه العملية القاسية.

نحن جميعًا نملك ذاك الشيء الذي وجد خصيصًا لنا وحسب، نحتاج فقط أن نفتح أعيننا أكثر ونُدرك أن تجاهل هذه الهِبات يقتلنا مع الوقت، بدلًا أن نصير بلا هوية يمكننا أن نكون أكثر من ذلك، يمكننا أن نكون أنفسنا وهذا يكفي.

أشخاص كُثر كشيخي وأفضل انتهت حيواتهم دون أن يُشاركوا أحدًا أفكارهم وخواطرهم الثمينة، لعلهم لم يفعلوا لانشغالهم بهذه الحياة الرثة، أو لأنهم سمعوا نقدًا لم يكن إلا مُبعثرًا لكرامتهم الأدبية، هم أخطؤوا جميعًا، إذا كنت تعرف اللغة وتعرف الحروف وتحسب نفسك كاتبًا فاكتب الآن قبل الغد؛ بل اكتب البارحة.

اكتب وتحرر من هواجسك اللعينة، يمكنك أن تتحرر من خلال قنينة حبر وبضع وريقات عريضة، اكتب وجسد خواطرك على بضع وريقات بدلًا من أن تفقد عقلك وأنت تحاول تخيلها حقيقةً على أرض الواقع، والتي لن تحدث إن لم تُحرك ساكنًا وتبدأ، لم أحسب أني سأكتب يومًا لآخرين ولكنه شيخي الذي دفعني دونما قصد أو تعمّد، ربما هذه ظاهرة كونية وحسب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد