الحب شعور داخلي مصدره القلب، هو الشعور الذي تحمله تجاه الآخرين، وهو التضحية والتفاني من أجل من تحب، إنه أنقى المشاعر وأطهرها، وهو موجود في الفطرة عند الإنسان، وهو أسمى شيء في حياته، فلا معنى للحياة من دونه؛ فالحب يملأ القلوب بالأمان والاطمئنان، وتشرق الشمس، وتضيء الظلمات، وتزهر المجتمعات ويملأها بالعواطف والرحمة، فتسمو العلاقات بين الناس ويزيد الترابط بينهم. وإذا انطفأت الأنوار، وانتشر الخوف والقلق والعدوانية، وتفككت المجتمعات، فإن الحب لن يكون موجودًا في ذلك الوقت. وكما ذكرنا سابقًا لا ينحصر الحب بين فئة معينة من الناس دون غيرها، وروت لنا قصص التاريخ والأدب الكثير من قصص الحب التي كان أبطالها الشعراء والأدباء، وفي أحيان كثيرة يغير الحب ويرقى في كثير من أحواله بالمحب الواله، ويحسن من صفاته وعاداته، فهل حقًّا يغير الحب الأشخاص ويرتقي بهم؟! لنر إذن.

 عندما يذكر أمامك اسم «الحسن بن هانئ المعروف بأبي نُواس» سيجيء في بالك صورتان لا ثالث لهما لأبي نُواس، وهما: الأولى: أحد أكبر وأشهر الشعراء في التاريخ، وأكثر الشعراء فسقًا ومجونًا كذلك، فكما هو معروف عنه بأنه عاش حياة مليئة بالترحال طلبًا للعلم، وإلى جانب ذلك كانت مليئة باللهو واللعب، ولقد ذاع صيته بين الناس في عصره، وأصبح يعاب كل من لا يعرفه، واشتهر بشربه للخمر، وأدخل الخمر إلى قصائده، فوصفها وصفًا دقيقًا، وأحب الشاعر أبو نُواس من النساء الكثير ولم يصدق معهن؛ فتلاعب في قلوبهن، وكان يتغزل بكل فتاة يراها أمامه. تدور الأيام والسنون، وشاءت الأقدار بأن يتعلق قلب أبي نُواس بفتاة، لكنها كان فتاة مختلفة عن الأخريات اللواتي أحبهن قبلها؛ فلقد اكتمل حسنها وأدبها، وكانت بديعة الحسن، جميلة المنظر، فلم تكن جارية كباقي الجواري، كانت تفضل مصاحبة النساء، ولا تخرج مع الرجال، وكانت ثقافتها عالية، وملتزمة وحريصة على أداء فريضة دينها في وقتها. فهل بادلته المشاعر وأحبته؟ وهل يجتمع الضدان، الفسق والورع؟ 

حاول أبو نُواس الوصول إليها مرارًا وتكرارًا، لكنها رفضته في كل مرة حاول الاقتراب منها، وما زاده هذا إلا تعلقًا بها، فأنشد الأشعار حبًا لها، ولقد كان يتبعها إلى كل مكان تذهب إليه؛ ليرق قلبها عليه، لكن دون جدوى. ذهبت إلى الحج وعلم بذلك، فهل سيكمل ملاحقتها الحسن بن هانئ المشهور بشاعر الخمر؟ بالفعل لقد لاحقها إلى الديار الحجازية، واستعد لأداء فريضة الحج، وشوهد وهو يلبي بأبيات من الشعر أصبحت مشهورة حتى يومنا هذا، ولم يصدق الناس ما رأته أعينهم، فكان ينشد: «إلَهَنا ما أَعدَلَك، مَليكَ كُلِّ مَن مَلَك، لَبَّيكَ قَد لَبَّيتُ لَك، لَبَّيكَ إِنَّ الحَمدَ لَك، وَالمُلكَ لا شَريكَ لَك، ما خابَ عَبدٌ سَأَلَك …»، فربما تكون هذه الأبيات سببًا في هداية قلب انغمس في المعاصي والرذيلة، فبعد أن رجع من الحج وعلمت أخباره وما تغير في هذه الفترة، بإقباله على الطاعة وإدباره عن المعصية، وصلاح سرائره وطيب علانيته، غيرت نظرتها إليه؛ فلان قلبها ورقت عليه، وأشفقت على حاله، وعلمت صدق حبه، وتأكدت بأن نار الحب أضرمت في قلبه، وبدت بوادر التغيير تظهر جلية في شعره، فكان ينشد أبياتًا لا ينشدها إلا الزاهد، فالتغير في حياته كان يلامسه الجميع وليس محبوبته فقط.

لقد أصلح الحب حالة الشاعر أبي نواس، فقوّمت محبوبته من اعوجاجه وانزياحه في هذه الدنيا، وأعادته إلى الطريق المستقيم بعد الانحدار الشديد في حياته، فها هو كما ذكرنا سابقًا ذهب إلى الحج، ولم يصدق الناس أن الشاعر الماجن سيذهب يومًا إلى الحج، ولم يكن يعرف الناس أن من الممكن لأبي نواس أن يترك المعاصي بسبب حبه لفتاة، فكان الحب خيرًا عليه وعلى حياته، فلاحظنا كيف ارتقى الشاعر بعدما أحب، فهل حقًّا الحب يغيرنا للأفضل؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد