ابتدأ حديثه بعبارات جميلة رقيقة قادرة على إذابة أشدّ القلوب قسوة، وبابتسامة جذّابة آسرة لتخال نفسك أمام مشهد لسردية عشق فريد، ليتغيّر فجأة وبلا سابق إنذار ويتحوّل إلى تهديد ووعيد وجلد كضرب العصا على طبل خاو ليرقص الحضور وتنتشي الأنفس المتضخّمة المتعطّشة لإذلال الآخرين، هم أصفياء هذا العالم هذه عقيدتهم!

قال الرّئيس الأشقر ذو الشّعر الذّهبي الأصفر: «أحبّ السّعودية والملك سلمان  صديقي» ثمّ انهال عليه بالضّرب باليمين واليسار وتكرّر المشهد أربع مرّات خلال أسبوعين وكأنّ البرنامج الانتخابي لترامب منحصر في إذلال السّعودية وابتزازها، انتظر الجميع جوابًا أو ردّ فعل لكرامة ديست بالنّعال وصارت كورق صحّي التصق بحذائه وهو يصعد لطائرته ذات مرّة وهو ذاهب للقاء جديد بمناصريه ينتظرون نفس الفقرة، فقرة الحبّ السّادي العنيف، ساد صمت رهيب مهين قبل أن يصدر من ابن الملك الّذي يبدو أنّه لا يعي ما حوله جواب طريف ظريف يرشح رومانسية ويحتوي بعض العتاب الخفيف: «أحبّ العمل مع الرّئيس ترامب». كم كان ذاك الجواب لطيفًا ومعبرًا عن قصّة حبّ عجيبة غريبة كتلك الّتي تجمع بين الذّئب والنّعجة لتكتمل الصّورة: مازوكية مقابل السّادية، خضوع وخنوع مقابل الإذلال والمهانة، كم يعشق الجمهور مثل هذه القصص الجنسية الشّاذة وكم هو بارع بطلهم السّاحر الأبيض في إتقان دوره؟

راعي البقر النّاجح:

عندما تحاول أن تحلّل شخصية ترامب من خلال تدويناته وخطاباته ولغة جسده تتبيّن لك سمات شخصية راعي البقر وعندما تشاهد مثلا رائعة سارجيو ليوني «الطيّب والشّرس والقبيح» تكاد ترى مزيجًا للشخصيات الثلاث في شخص ترامب، هو الطّيب والشّرس والقبيح في نفس الوقت وهو التجلّي الأمثل للشخصية الأمريكية القاعدية الّتي صنعت على أسس أسطورة الاصطفاء والاستعلاء.

ترامب لا يختلف كثيرًا عن بقيّة من تقلّد زمام الحكم في الولايات المتّحدة الأمريكية، هو فقط وقح وصريح أكثر من اللّزوم ولا يحترم كثيرًا قيود الدبلوماسية، وهو باح بما حاول البقيّة إخفاءه ممارسين التّقية السّياسية لاستحمار الآخرين.

هل كان ترمب استثناء؟

أسّست الأمّة الأمريكية على عقيدة تعتمد على أسطورة الاصطفاء والاستثناء فهي من تمتلك حصريّا قانون الحقّ المطلق، فهي الأمّة النّموذج وهي تمثّل الأمل والتحضّر وخلاص البشرية وما يبدر منها من أخطاء أو تعدّ على الآخرين قد يكون ضرورة لأجل هدف أسمى لأجله بعثت، لذلك كان لا بدّ من ابادة ملايين الهنود الحمر ،و محو هيروشيما وناجازاكي من الخريطة وحرق لفيتنام وتدمير العراق وافغانستان والقيام بالانقلابات في أمريكا الوسطى والجنوبية وإشعال الحروب هنا وهناك، فتلك مشيئة الربّ وهم شعبه المختار ،هكذا تقول الأسطورة وتلك عقيدتهم.

يبرّر جيفرسون الرّئيس الأمريكي الثّالث المجازر الّتي ارتكبت في حقّ السكّان الأصليين بأنّها حالة من حالات الانتخاب الطّبيعي للبشر وبأنّه بدون ملاحقة الهنود الحمر كان من العسير إنشاء هذه الأمّة تماما كما برّر ميناحيم بيغين مجازر الصّهاينة حينما ذكر أنّ لولا دير ياسين لما قامت إسرائيل،أمّا الرّئيس الثّاني والثّلاثون روزفيلت فهو لا يخفي نظرته الدّونية للهنود الحمر معتبرا إياهم حيوانات مفترسة قذرة وكان مبدؤه أنّ الأمان بالنّسبة للإنسان المتحضّر هو عندما يستطيع التخلّص من جيرانه البرابرة وكأنّه يعيد ما قاله هرتزل حينما عرّف الصّهيونية بأنّها استحكام محصّن أمامي للحضارة الغربية ضدّ برابرة الشرق.

ويذهب أغلب القادة والنخبة الأمريكيين إلى اعتبار أنّ أفعالهم هي تحقّق لإرادة الله على الأرض، فالرّئيس الثّالث والثلاثون ترومان مثلا يصف جرم القنبلتين النّوويتين بقوله: «لقد أدّت أمريكا دورها، الدّور الّذي أنشأها عليها الربّ» ويلخّص المؤرّخ الأمريكي باول إيركسون عقيدة الأمريكيين في كلمات مختصرة: «شعب الله المختار المرسل ليكون أداة التغيير والتّأثير وعيونه في الأرض».

هذه عقيدة الأمريكيين ومن يتبعونهم ممن يدّعون أنّهم أهل العقيدة ويرفعون راية التّوحيد، ليخرج علينا السّديسي بصوته الرّقيق وهو يتباكى ويقول: «واليوم اللمملكة العربية السّعودية والولايات المتّحدة الأمريكية، وهما قطبا هذا العالم في التّأثير، يقومان ولله الحمد والمنّة بقيادة خادم الحرمين الشّريفين وأيضًا الرّئيس الأمريكي، العالم والإنسانية إلى برّ الأمن والسّلام». لا أدري عن أيّ قطبيّة يتحدّث في علاقة تبعيّة بين سيّد وعبده وعن أيّ إنسانية وأمن وسلم لمنظومة متغطرسة مصابة بعظمة الذّات لا ترى وجودًا إلاّ لها قامت بإبادة ملايين البشر في أقلّ من أربعة قرون؟

يبدو أنّه وكغيره من المتفيقهين المتعالمين، مفتي البلاط والسّلاطين الّذي يكفّرون كلّ خروج عن وليّ الأمر لا يستطيعون إلاّ أن يفعلوا ذلك قياسًا مع وليّ وليّ الأمر.

هل تمتلك السّعودية خيارات أخرى؟

لا يبدو أنّ السّعودية الّتي وضع مسؤولوها الجدد كلّ بيضهم في سلّة ترامب وسلّموا ناصيتهم إليه يمتلكون خيارات سوى الطّاعة والاستكانة والاستجابة لمطالب الحلب من طرف ترامب، الّذي يحسن ترويض البقر ويحسن الحلب وسيستمرّ الحال إلى أن يجفّ ضرعها لتذبح حينها.

فالسّعودية ذات الثّقل الّتي تحتلّ مكانة محوريّة في المنطقة والعالم، والّتي تحوي مشاعر مقدّسة عند ملايين البشر وذات المقدّرات الّتي لا تحصى يتمّ استنزافها ودفعها إلى الهاوية، فهي تشهد عجزًا في الميزانية دفعها إلى الاقتراض، وتعرف ارتفاعًا في نسب الفقر والبطالة، بينما ينعم الشّعب الأمريكي بأزهى فتراته بفضل ترامب راعي البقر إذ تشهد أدني نسبة للبطالة منذ 1969.

فتحت السّعودية على نفسها جبهات متعدّدة في نفس الوقت، وخسرت أصدقاءها ولم تنجح إلّا في صناعة أعداء جدد وفي تسجيل الأهداف ضدّ مرماها. سيستمرّ الابتزاز وسيواصل ترامب في مطالباته بالدّفع مقابل الحماية والتّواجد، وذاك مصير من يتهرّب من شرعية ومشروعية كان من الممكن أن يحصل عليها من الدّاخل بأخرى يستوردها من الخارج.

سيدفعون وسيتنازلون عمّا يملكون وعمّا لا يملكون، وسيتنمّرون على من يعتقدون أنّهم أضعف منهم كعمليّة تحويل لما أصابهم من ذلّ وهوان: حصار قطر واستفزازها، بلطجة وأعمال عصابات هنا وهناك كعملية اختطاف الأستاذ جمال خاشقجي، الّذي طالما أعلن انّه ليس بمنشقّ ولا معارض، وإنّما هو محبّ ناصح، مزيد من التورّط في اليمن وفي قتل الأطفال وتجويعهم، مزيد من القمع وتكميم الأفواه في الدّاخل، حماقات بالجملة تعبّر عن غباء شديد وافتقاد للخبرة قد تسرّع من وتيرة التدحرج والانحدار نحو الهاوية، وهو ما لا نتمنّاه لبلاد الحرمين الّتي لا يحتمل أحد انفراط عقدها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد