سؤال يجب أن يُطرح الآن على الأوساط المصرية، التي تعارض الإدارة الحالية للدولة المصرية، والتي تحكم بميراث عقود طويلة من البيروقراطية المصرية مضافًا عليها نهج اقتصادي مستنسخ من حقبة مبارك، يضع همه في المقام الأول في فتح سوق للمستثمرين الأجانب من خلال عمالة رخيصة وتسهيلات على الأراضي والخدمات، ولا يضع بأي حال من الأحوال في خطته أي خطوات لتدعيم العدالة الاجتماعية، فلا حديث عن تطبيق ضرائب تصاعدية على الدخل، بل يبدو أننا نسير بشكل متطرف لكي نبتعد عنها بحزمة من القرارات التي كان آخرها قرار وزير الدفاع صدقي صبحي الذي قضي قرارًا بإعفاء 574 منشأة تشمل الدور والفنادق والنوادي والشقق والفيلات والساحات التابعة للقوات المسلحة، من الضريبة العقارية المقررة في القانون رقم 196 لسنة 2008.

كان المواطنون المصريون يمنون أنفسهم بتغيير – ولو كان طفيفًا – للأحسن عقب المؤتمر الاقتصادي العالمي، ولكن يبدو أن هذا لم ولن يتحقق.

خرجت علينا التقارير تباعا لتؤكد أن أداء الوزارات عقب المؤتمر الاقتصادي لم يتحسن ولم يتم البدء في المشاريع التي تم التبشير بها، اختلفت الأسباب بين تأخر إصدار قانون الاستثمار الجديد قبل المؤتمر وعدم ترجمته وبين الديون الهائلة على مصر لدى التحكيم الدولي، والذي يخلق من مصر مجالًا طاردًا للاستثمار، وبين هذا وذاك لم يتغير شيء.

معظم ما تم توقيعه مع المستثمرين الأجانب في فترة المؤتمر كانت مجرد مذكرات تفاهم حول إقامة مشروعات في مصر خلال الفترة المقبلة، والآن تتوالى علينا أخبار إلغاء تلك “المذكرات”، كان آخر تلك الأخبار إلغاء مذكرة التفاهم الخاصة بإنشاء عاصمة إدارية جديدة لمصر والتي وقعتها الحكومة المصرية مع الشركة المملوكة لرجل الأعمال الإماراتي “محمد العبار”.

تراجعت الحكومة أيضا في 18 مايو الماضي عن ضريبة أرباح البورصة بعد أن فرضتها في مايو من العام الماضي، سبق هذا تخفيض الضريبة على الأغنياء من 30% إلى سعر موحد على كل الدخول العليا هو22.5 % وهو انخفاض غير مسبوق في ضرائب الدخل.

إذا فالحكومة تخفف الضرائب على الجهات السيادية والعاملين بها كما تخففها عن الأغنياء، ويبقى المواطن البسيط هو الوحيد المطالب بالالتزام في دفع ضريبته التي تزيد بشكل مطَّرد حيث إن الحكومة تلجأ لزيادة الإيراد الضريبي دون زيادة القاعدة الضريبية من خلال زيادة ضرائب المبيعات على السلع والخدمات مما يسبب زيادة في الأسعار بشكل جنوني ومتواصل.

بين كل هذا تطاردنا إعلانات الجمعيات الخيرية طوال شهر رمضان على كافة القنوات المصرية الخاصة وهذا في سياق متصل مع ما مضى يطرح عدة أسئلة:

1- كم يبلغ معدل الإنفاق الخيري في مصر؟

حسب تقارير منسوبة لمركز معلومات مجلس الوزراء فإن الإنفاق الخيري في العام الماضي وحده وصل لـ 4.5 مليار جنيه مصري، وتتوزع هذه المليارات على الزكاة والصدقات وبناء المساجد والمستشفيات ومساعدة دور الأيتام.

2- كم يبلغ الإنفاق الإعلامي للمؤسسات الخيرية في مصر؟

ليس لدينا إجابة على هذا السؤال ولكن الإعلانات الطويلة والممتدة لتلك المؤسسات يطرح أسئلة حول نزاهتها وخصوصا ما يحدث في شهر رمضان التي تبلغ قيمة دقيقة الإعلان فيه على القنوات الخاصة أكثر من مليون جنيه في بعض الأحيان!

إذا كانت تلك المؤسسات حقا – خيرية – فلم تنفق تلك الملايين على الإعلانات بدلا من توجيهها للعمل الخيري؟ في بعض الأحيان تكون تكلفة صناعة الإعلان مُتبرعًا بها، ولكن القنوات الخاصة لا تتبرع بوقتها في مثل هذا التوقيت من العام التي تمطر فيه أموال الإعلانات فوق رؤوسهم سيولا من الملايين!

السؤال حول نزاهة تلك المؤسسات يتردد أيضا حول طريقة إدراتها ومرتبات القائمين عليها، والتي تصل في بعض الأحيان إلى عشرات الآلاف للمنصب الواحد! ترددت أقاويل حول أن تلك المستشفيات التي بُنيت بأموال المصريين لا تستقبل إلا حالات قليلة جدا وفقا لشروط محددة ولا تخدم إلا الحالات التي يمكن أن تفيد حملتهم الإعلانية لتستمر أموال التبرعات في التدفق، لتنقلب المنظومة في النهاية بدلا من أن تكون التبرعات في خدمة علاج المرضى، دون تفرقة!

 السؤال الأهم والذي اخترته عنوانا للمقال: هل يجب أن يتوقف الإنفاق الخيري في مصر؟

 الإجابة تتأرجح بين رأيين:

الأول قد يفكر في ما قاله ماركس عن الحتمية التاريخية في الصراع بين متناقضين ودون الدخول في تفاصيل – لسنا في موضعها – فإن ازدياد الأغنياء غنى بزيادة رواتبهم وتخفيف ضرائبهم، بل وإعفائهم منها إن كنا نتحدث عن أغنياء الجهات السيادية، أو بإعفائهم من ضرائب الأرباح وتقليل نسبة الضرائب على أموالهم وزيادة التسهيلات في استهلاكهم للطاقة والخدمات إن كنا نتحدث عن أغنياء المستثمرين، وازدياد الفقراء في فقرهم بزيادة الضرائب على خدماتهم ومأكلهم ومشربهم وملبسهم بل وحتى سكنهم واستمرار مرتباتهم على حالها بل وتعرض دخولهم للنقص الكمي خلال فترة الكساد الحالية، والكيفي بنقص القدرة الشرائية، بل وانعدام دخل العديد منهم نظرا لزيادة معدلات البطالة والمرض.كل هذا سيؤدي في النهاية إلى ازدياد الفجوة بين المتناقضين.

بحذف المليارات التي ينفقها المصريون على العمل الخيري، ما يصل منها لمستحقيه وما لا يصل، ستصبح هذه الفجوة تهديدا حقيقيا للطبقة الحاكمة المصرية التي نتجت عن تزاوج السلطة برأس المال.

ببساطة ودون تعقيد.. يرى أصحاب هذا الرأي أن الفقراء سيصنعون الفارق حينما يزداد فقرهم، إن الجموع التي خرجت لتطلب الاستقرار ستخرج ناقمةً على الكل عندما لا تجد قوت أسرتها الذي يأتي بالتبرعات، ولا يجد الحد الأدنى من الخدمات في قريته التي تتكفل المؤسسات الخيرية بإصلاحها ولا يجد مكانا لعلاج أهله الذي تتكفل المستشفيات الخيرية بعلاجهم. يرى أصحاب هذا الرأي أن المجتمع المدني يجب أن يتوقف عن سد عجز الدولة، وأنه حان الوقت لكي يقف هذا النظام العفن أمام شعبه عاريا.

يقف أمام هذا الرأي رأي آخر هو أننا لسنا نملك القدرة لتحمل تكلفة السيناريو الأول الذي لن يترك حجرًا فوق حجر، يرى أصحاب هذا الرأي أننا يجب أن نستمر في دعم العمل الخيري في نفس التوقيت الذي نضغط فيه لإصلاح الدولة من خلال المعترك السياسي والانتخابات بمستوياتها المختلفة، وأننا يجب أن نظل نكافح من خلال النقابات والمجالس التشريعية لإصلاح منظومة القوانين في مصر ولفرض العدالة الاجتماعية من خلال زيادة نصيب بنود الخدمات من الموازنة العامة، فلا نحتاج مثلا لأن نتبرع بكل ما لدينا لكي نجد مكانًا أدميًّا للعلاج، وحتى ونحن نتبرع لا نجد!

ومجملًا لا نحتاج لإقامة موازنة موازية من التبرعات للحفاظ على ما تبقى من دولة أساسها فاسد. بين هذا وذاك يبدو أن هناك مؤكدًا واحدًا، أن ما يحدث لا يجب أن يستمر على ما هو عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد