كلنا نعرف زمان ومكان بداية الحكاية. الزمان والمكان لا يعنينا هنا، بل يهمنا ما وراء ذلك.

فكلنا نعرف أيضًا الظروف التي جعلت المواطن العربي يخرج للشارع بعد زمن من الخوف والرعب وأحيانًا الخجل. نعم، كلنا نعرف ذلك. لقد سكت المواطن العربي وصبر واحتمل وتحمل ما لا يصدقه العقل لعقود. لقد أهلكته السياسة اللعينة، ومع ذلك لم يحرك ساكنًا. لكن لماذا تحرك في الربيع؟

دعونا نتفق على مفهوم مهم هنا، أنا لن أسميها أبدًا ثورة. قد تتساءلون لماذا؟ لا تذهبوا بخيالكم بعيدًا فالسبب بسيط أكثر مما تظنون، لأن الثورة تبدأ بهدف وتنتهي بتحقيقه. والربيع العربي لم يصل إلى مستوى مفهوم الثورة بعد. ربما ليس الآن على الأقل.

سموها كيفما شئتم، لكنني لن أسميها ثورة.

طبعا ليس الربيع العربي مشؤومًا هكذا، دعونا نتفاءل بعض الشيء. فلولا الربيع العربي ما كنا لنكتشف نفاق وتدليس بعضًا مما كنا نظنهم وجوه نور نستنير بها في دروب الظلام. لقد ساهم الربيع العربي في كشف الأقنعة، وإزالة الستار عن الوجوه المتنكرة.

لكن لماذا فشل الربيع العربي؟

فعلا، هذا هو السؤال الرئيس الذي يجب أن نطرحه، ويجب أيضًا علينا أن نعترف بأن الربيع العربي قد فشل حقًا. لكن لماذا هذا الفشل وما الحل؟

هل فعلا وصل العرب إلى مستوى إنجاح ثورة؟

طبعًا، من المعروف أن لكل فئة ثائرة هناك فئة أخرى ضدها تحاول بكل جهد وئد الثورة والقضاء عليها. لكن لماذا كانت نتائج الربيع العربي كارثية ودموية بهذا الشكل؟

الكثير من الناس لن تروق لهم هذه الفكرة، لكن شئنا أم أبينا فبالفعل كانت نتائج الربيع العربي كارثية بكل معنى الكلمة، ولكن ليس هذا هو المهم، بل الأهم من ذلك هو لماذا كانت هذه النتائج كارثية بهذا الشكل؟

لنكن صرحاء بينا وبين التاريخ. إذا ما حاولنا تشخيص وتحليل المشاكل التي يعاني منها الوطن العربي، فلن نجد فقط مشاكل سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية فحسب. بل هناك ما هو أعظم من ذلك.

إن المشكل الحقيقي يكمن في تلك الازدواجية التي تتسم بها عقلية المواطن العربي بغض النظر عن مستواه وطبقته داخل المجتمع. يجب أن نعترف بذلك، والإنكار لن يحل المشكلة بل سيزيد الطين بلة. إن المجتمع العربي يعاني نوعًا من انفصام الشخصية بالفعل. لكن ما الحل؟

إن الاعتراف بهذا المشكل هو بداية حل للمشكلة، فعندما تتطابق أفكارنا مع تصرفاتنا آنذاك يمكن أن نبدأ ثورة.

الثورات لا تبدأ إطلاقًا من الصراخ بالشوارع، بل تبدأ بنشر الوعي أولا ثم تغيير التصرفات ثانيًا. قد يقول البعض أن هذا لن يتحقق بهذا الشكل بل بالخروج إلى الشوارع والوقوف وجهًا لوجه أمام الطغيان و«تغيير المنكر باليد أولا».

ألا يدري من يقول أو يظن أن «تغيير المنكر يكون باليد» قد سبقه تغيير في الأخلاق ونشر للوعي بين المؤمنين في زمن الخلافة؟

نحن دائمًا لا نأخذ العبر والدروس من التاريخ، وهذا مؤسف حقًا.

إن التغيير لا يأتي هكذا صدفة دون موعد. فتغيير حال أمة منهارة ليس سهلًا كما يظن البعض، ولن يتغير حال الأمة بسقوط حاكم واحد أو حتى بسقوطهم جميعًا.

التغيير الحقيقي يبدأ من إصلاح الفرد أولا. فلكي نغير حال الأمة يجب علينا أن نبدأ من القاعدة أولًا. يجب أن نغير سلوكاتنا أولًا.

إنه ليس من السهل تغيير تلك العقلية المتحجرة التي يتصف بها الكثير ممن قد يصفون هذه الأفكار بأنها انهزامية وصعبة التحقيق. لكن لنكن متفائلين ولو مرة واحدة ولنقف نحاسب أنفسنا أولا قبل أن يحاسبنا التاريخ.

إن أي موجة تغيير لا يقودها المفكرون فمآلها الفشل حتمًا. وأنا لا أقصي المجتمع هنا بقول «مفكرين» بل هي دعوة إلى أن يكون المجتمع كله جامعًا لهذه الكلمة.

الموجة آتية بالفعل، لكن إذا لم تكن تتقن السباحة فحتما إنك ستغرق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد