كانت بطيئة في مشيتها تجاه رجال الأمن في مطار إسطنبول، وكانت ملامح وجهها مكتئبة، وتتوافد الأحزان من المؤق بعينيها الصغيرتين، وعلى وجنتيها موكب من الكآبة يجري ويعبُ.

وكانت تتمايل أثناء مشيها؛ حتى توقفت عند الحاجز الأمني، وألقت أشياءها داخل الجهاز الذي يكشف عن المواد المعدنية الصلبة والمحظورة، وكنتُ أرى أشيائها مُكَمْكَمَةً فوق السير الأسود.

الألوان متناسقة على جسمها، ويمتزج فيه اللون الأزرق مع الأسود ويتعانق معهما البياض برقته، شعر رأسها أشقر؛ لذا جاءت بقامة قصيرة الطول، ولقد رأيت الخوف والدهشة على وجهها وقتئذٍ.

واقتربتُ منها وإذا بالجواز الأزرق الغامق تمسكه بين يديها، ولمحت شكل جوازها لدقيقة وأبصرت على غلافه عبارة كتبت باللغة العبرية والإنجليزية، فأصابني غضب شديد مما قرأت: (دولة إسرائيل).

وبدأت أتحاور مع نفسي حوارا سياسيًّا وفلسفيًّا، والموضوع: الجواز الذي كانت تحمله تلك الشقراء بمطار إسطنبول الدولي، وقد رأيتها هاربةً بعدما صرح أحد الإرهابيين الإسرائليين أن إيران وضعت خطة لاغتيال السياح الإسرائيليين المتواجدين بإسطنبول؛ ولعل هذا كان سببًا وراء هروب الفتاة…

كيف تُسرق أرض بأكملها سرقةً عالميةً بهذه البساطة؟ وكيف يسمح لهؤلاء المستوطنين بأن يعيشون بهذا الوهم؟ وكيف يصبح الوهم حقيقةً؟ ومن أي أخلاق تنطلق هذه الحضارة البائسة؟! وكيف يخضع العالم لهذه السياسة الإمبريالية؟ والإدارة البيروقراطية الشرسة والديمقراطية الزائفة كيف يخضع العالم لهذه الإمبريالية؟

بهذه الأسئلة بدأت حواري الذاتي بيني وبين نفسي؛ عندما كنت جالسًا في صالة الانتظار الدولية بمطار إسطنبول، وخطر في نفسي إجابات أصبحت في ذهني حججًا متماسكة وعليها بنيت هذا المقال…

لا يمكن فهم علاقة الأرض بالإنسان، وليس من السهل معرفة الأسباب الحقيقية وراء ارتباط الإنسان بأرضه؛ وهنا صعوبة المسألة نظرًا لتعقيدات النفس البشرية وقوانين المجتمع، وبهذه القوانين تتعقد العلاقة بين الأرض والإنسان.

هناك بعض المفاهيم تساعد على فهم العلاقة بين الأرض والإنسان وبين اللسان، فبينما يحاول مفهوم المواطنة تفسير الدولة بصورة حقوقية يترادف مفهوم الأرض الذي هو عنصر من عناصر الدولة الذي يشكل حقيقتها داخل الذهن؛ ثم يصبح للإنسان دور فعال في مفهوم الدولة.

وبعد الأرض يأتي الشعب لكي يتماسك المفهوم ويترابط فيكون الشعب هو الشكل الذي يبسط مفهوم الدولة، وبالإضافة إلى الشعب يتشعب منه مفهوم المواطنة.

واللغة بهذا السياق لا تقل أهمية عن الأرض واللسان، فيأتي الدور التفاعلي الذي تقوم به أداة اللسان من أجل التواصل الإنساني ضمن دائرة الأرض والدولة والشعب فتولد حقيقة المجتمع.

مقابل حياته يضحي الإنسان دفاعًا عن أرضه؛ وذلك ما يبرر عملية قتله فالدفاع هنا له قيمة أخلاقية حميدة توصل إلى التقدير والشجاعة، وجميع هذه الخِلال يطلقها الناس عندما يرون التضحية بالنفس مقابل الدفاع عن الأرض.

والموت مقابل الدفاع عن الأرض يبرر العلاقة المعقدة بين الأرض والإنسان؛ فهي علاقة لا تخلو من معاني الوفاء والشجاعة والإقدام، وكيف كان نوع الاحتلال، وشكله كانت كذلك قوة النضال والمقاومة بهدف الانتصار للأرض.

فوق الأرض يولد الانسان ويعيش، وتحت الأرض يدفن الإنسان ويموت؛ ومصير الإنسان هو أرضه التي عاش فوقها ومات ودفن تحتها؛ ولا خيار أمام الإنسان إلا الموت فوق أرضه أو الحياة!

والأرض صفحة من التاريخ يستذكر منها الإنسان تاريخ عائلته فهي إذًا وسيلة للمحافظة على التاريخ الإنساني؛ وهي أيضًا صورة لحقيقة الحياة وتعقيداتها، ومن هنا يولد الحب بين الإنسان وأرضه فيشعر بأنه مدافع ولا يتنازل عنها.

واللسان وسيلة من وسائل التواصل، يضيف معاني السعادة والإنسانية، فتكتسب الأرض حقيقة وجودها الإنساني ضمن النسق الاجتماعي الذي تتوارثه الأجيال.

ومع كل جديد تنتقل العادات والتقاليد والأعراف، انتقالًا بواسطة اللسان الذي يعبر عن الهوية، وهي مرآة تعكس صورة الاجتماع الإنساني فوق الأرض التي يفهم بها معاني الدولة.

إسرائيل ليست دولة؛ لأنها لا تملك أرضًا بل تستحل أرضًا؛ والإسرائيليون ليس لهم وطن؛ لأنهم لا يملكون أرضًا؛ بل يسرقون المستوطنات من أجل اكتساب الأرض، وذلك الجواز الذي رأيته بين يدي تلك الفتاة الشقراء أشبه ببيت العنكبوت. 

القضية الفلسطينية تطاردني أينما ذهبتُ، وهي معي كالحبيبة التي لا تفارقني، وأينما تقابلت مع مستوطن أو مستوطنة فهي عندي مجرد سارق وسارقة، وإسرائيل ليست دولة؛ بل فلسطين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد