في عام 1979 طلبت مؤسسة برنارد فان لير الهولندية The Bernard Van Leer Foundation من جامعة هارفارد Harvard University القيام بإنجاز بحث علمي يستهدف تقييم وضعية المعارف العلمية المهتمة بالإمكانات الذهنية للإنسان وإبراز مدى تحقيق هذه الإمكانات واستغلالها.

في هذا الإطار بدأ فريق من الباحثين من ذوي الاختصاصات المتنوعة في دراسات استغرقت عدة سنوات، وهكذا تم البحث في مجالات التاريخ الإنساني والفلسفي وعلوم الطبيعة والعلوم الإنسانية، إضافة للقاءات دورية تناولت قضايا تتعلق بمفهوم النمو في مختلف الثقافات البشرية.

كان هوارد جاردنر Howard Gardner واحدًا من هذا الفريق البحثي بصفته أستاذًا لعلم النفس التربوي ومن المهتمين بدراسة مواهب الأطفال وأسباب غيابها لدى الراشدين الذين حدثت لهم بعض الحوادث التي تسببت في إحداث تلف بالدماغ (أحمد أوزي، د. ت) (Gardner,2003).

لاحظ جاردنر شيئًا مختلفًا؛ إذ لم يكن مُفسرًا من خلال نظرة القياس النفسي للذكاء حيث ذكر: «إن الفرصة اليومية للعمل مع الأطفال والبالغين الذين لديهم ضرر بالمخ طبع في ذهني حقيقة واحدة عن الطبيعة الإنسانية وهي: أن الناس لديهم مدى واسع من القدرات، وأن قوة الإنسان في نطاق واحد من الأداء لا تتنبأ بأي قوة في نطاق آخر» (Viens, 2000).

وكان على هوارد جاردنر أن يكتب كتابًا عما توصل إليه عن المعرفة البشرية خلال الاكتشافات في العلوم السلوكية والبيولوجية، وكان هذا الكتاب الذي نُشر لأول مرة عام 1983 هو «أشكال من العقل.. نظرية الذكاءات المتعددة» «Frames of Mind.. The Theory of Multiple Intelligences» ومن هنا وُلدت نظرية الذكاءات المتعددة. وقد ضمّن جاردنر في كتابه الأول سبعة ذكاءات منفصلة هي: الذكاء اللفظي/اللغوي- الذكاء المنطقي/الرياضي– الذكاء البصري/المكاني– الذكاء الجسمي/الحركي– الذكاء الموسيقي– الذكاء التفاعلي– الذكاء الشخصي.

ويذكر جاردنر (Gardner, 2003) أنه في عاميّ 1994و 1995 قام بمراجعة الأدلة على وجود ذكاءات جديدة مما جعله يضيف ذكاءً ثامنًا جديدًا إلى قائمة ذكاءاته والذي كان الذكاء الطبيعي، كما كانت تلك الفترة هي بداية التفكير في الذكاء الوجودي –لم يتم ضمه بعد إلى قائمة الذكاءات-.

ومنذ نشأتها حملت تلك النظرية اختلافًا كبيرًا عما قبلها فلم يصبح يدور الحديث حول «إلى أي حد أنت ذكي» بل تحول إلى «في أي مجال أنت ذكي» (McKenzie, 1999b).

It is not how smart you are.. It is how you are smart!

الذكاء كما تنظر إليه نظرية الذكاءات المتعددة

تضع نظرية الذكاءات المتعددة تعريفًا واسعًا للذكاء، فيعرفه جاردنر (Gardner, 1983 as cited in Kallenbach and Viens, 2001; Gardner, 1983 as cited in Torff and Gardner, 1999, p.140; Gardner, 1983 as cited in Tapping into Multiple Intelligences page, n. d.; Gardner, 1997 in Chekley, 1997; Gardner as cited in McKenzie, 1999a) وجاردنر وهاتش (Gardner and Hatch, 1989 as cited in Brualdi, 1996) بأنه «القدرة على حل المشكلات أو تكوين المنتجات التي تكون ذات قيمة في ثقافة أو أكثر».

كما يذكر جاردنر (ترجمة محمد العقدة، 1997، ص 396) أن الذكاء هو قدرة سيكولوجية (نفسية) وبيولوجية (حيوية) كامنة، وأن هذه القدرة الكامنة يمكن أن تتحقق بدرجات متفاوتة نتيجة عوامل خبراتية وثقافية ودافعية تؤثر على الفرد.

وحديثًا عدّل جاردنر (Gardner, 1999, p.34) تعريف الذكاء ليصبح كالآتي: «هو إمكانية نفس حيوية لمعالجة المعلومات التي يمكن تنشيطها في بيئة ثقافية لحل المشكلات، أو ابتكار المنتجات ذات القيمة في ثقافة ما».

إن الجزء الأول من تعريف الذكاء على أنه القدرة على حل المشكلات ليس إسهامًا جديدًا في علم النفس المعرفي يحسب لجاردنر، لكن بالرغم من ذلك فقد ساهمت نظريته في إيضاح هذا التعريف؛ ذلك أنه كثيرًا ما كان يوجه النقد إليه. يذكر سيد خير الله وآخرون (1984/1985، ص 203) «أن هذا التعريف يفترض وجود علاقة بين الذكاء والقدرة على حل المشكلات، رغم أنه لا توجد في الحقيقة قدرة واحدة تقوم بحل جميع أنواع المشكلات، والقدرة على حل مشكلة خاصة تتضمن عوامل خاصة بالمشكلة التي يراد حلها وعلى ذلك تختلف القدرة على حل مشكلة رياضية عن القدرة على حل مشكلة بإجراء عملية جراحية. وبصورة عامة يوجد عدد من القدرات قدر ما يوجد من مشكلات». ولقد كان هذا بالطبع النقد الذي وُجه لهذا التعريف في ضوء الاعتقاد بأن الذكاء هو قدرة عامة، لكن من خلال منظور جاردنر للذكاءات المتعددة لا يوجد أي تعارض.

مع ذلك، ومن تحليل ما تضمنه تعريف جاردنر للذكاء فأنا أرى اختلافات كثيرة في نظرة جاردنر للذكاء عن النظرة القديمة له.

كيف يختلف الذكاء في ضوء هذه النظرية عن التعريف التقليدي للذكاء؟

  • تعريف جاردنر يجعل الذكاء في حل مشكلات العالم الحقيقي وصنع المنتجات، فنظرية الذكاءات المتعددة تقوم على فهم كيف تؤثر ذكاءات الناس حقيقة، فهي تضع الذكاء في وضعية ما يستطيع الناس عمله.
  • يقترح هذا التعريف تعبيرًا كيفيًا ووصفيًا لمجموعة ذكاءات الفرد أكثر منه تعبيرًا كميًا للقدرة المتكاملة، وهو في ذلك يخالف درجات الذكاء التي يتم الحصول عليها من اختبارات معامل الذكاء (Viens, 2000).
  • لأول مرة نجد تعريفًا للذكاء يركز على صنع المنتجات وابتكارها، حيث كانت كل التعريفات السابقة للذكاء تركز على حل المشكلات فقط.
  • الذكاء هو مصطلح لتنظيم ووصف القدرات الإنسانية في علاقتها بالسياقات الثقافية التي تتطور فيها هذه الذكاءات وتستخدم وتعطى معنى (Torff and Gardner, 1999, p.218). فلأول مرة في تعريف للذكاء نجد تركيزًا على تقدير الذكاء في ثقافات مختلفة اعتمادًا على احتياجات الناس الاجتماعية والاقتصادية، فجاردنر يرى ذكاءاته بوصفها إمكانيات محتملة عصبية والتي سوف تنشط أو لا تكون نشطة اعتمادًا على قيم ثقافية محددة والفرص المتاحة في تلك الثقافة والقرارات الشخصية التي يقوم بها الأفراد والمحيطون بهم. يسوق جاردنر (Gardner,1991 as cited in Carlson-Pickering, 2001) أمثلة على ذلك، ففي المدارس القديمة كان يتعين على الأفراد أن يحفظوا عن ظهر قلب نصوصًا هامة –دائمًا دينية- وبالتالي فإن تلك الأنماط من المهام تكون دليلًا على الحاجة لاستخدام ذكاء الفرد اللغوي، المثال الثاني يضربه جاردنر من غرب أفريقيا حيث توجد مدارس تدرس التلاميذ الممارسات التي سوف يحتاجونها لأداء الطقوس الاحتفالية الأولية وكذلك الحِرف ذات القيمة في مجتمعهم، وأخيرًا فإن التلاميذ في جنوب البحار يجب أن يحفظوا عن ظهر قلب مقادير ضخمة من المعلومات عن النجوم من أجل أن يكونوا قادرين على أن يبحروا في المحيط بأمان.

تعلق هولمز (Holmes, 2002) على تعريف جاردنر: أن الذكاء هو طريق التعلم لفهم العالم الذي نحيا فيه. الذكاءات أيضًا هي الوسائل التي من خلالها نظهر ما نعرفه، فمن خلالها نحل المشكلات ونساهم في العالم على اتساعه.

مبادئ النظرية

من خلال كتابات جاردنر على سبيل المثال..(Gardner, 1997 in Chekley, 1997; Gardner, 1996 as cited in koch, 1996; Gardner, 2001; Gardner, 2003) وكتابات غيره من علماء النفس (Brualdi, 1996; McKenzie, 1999a; Morris, 2003; Multiple Intelligences for Adult Literacy and Education page, n. d; Tapping into Multiple Intelligences page, n. d.; Torff and Gardner, 1999, pp. 152-153; Viens, 2000) وإسماعيل الدرديري ورشدي فتحي (2001، ص 81) ومحمد الشيخ (1999، ص 284) يمكنني استخلاص وتحديد المبادئ الأساسية لنظرية الذكاءات المتعددة في:

  • الذكاءات متعددة وليس الذكاء قدرة واحدة عامة أو مكونة من تجمع قدرات منفصلة.
  • هذه الذكاءات تحدد الجنس البشري، فهي عالمية.
  • كل الناس يمتلكون الذكاءات الثمانية، أو على حد قول جاردنر (Gardner,2003) «الذكاء صفة مميزة لكل البشر». ولا يوجد أحد يستخدم ذكاءً واحدًا فقط فنحن جميعًا نستخدم كل منها في حياتنا اليومية.
  • أي من تلك الذكاءات الثمانية ليس أفضل من الذكاءات الأخرى، وكل ذكاء له مجاله الخاص من الخبرة.
  • لدى كل شخص تكوين فكري مختلف، فالذكاء بعد يختلف على أساسه البشر –مثل بصمات الأصابع-، وبالتالي فإن كل الأفراد يختلفون في بروفيلاتهم الخاصة للقوى والعيوب العقلية، ولا يوجد اثنان –حتى التوائم المتماثلة- يمتلكان نفس بروفيل الذكاءات في نفس اللحظة، فنحن لا نملك نفس القوة في نطاق نفس الذكاء ولا نملك نفس المزيج من الذكاءات، مما يعني أن الفروق لا تكون بين الأفراد فقط Inter-Individual بل في ذات الفرد أيضًا Intra- Individual.
  • تقع هذه الذكاءات في أماكن مختلفة من المخ، أي أنها منفصلة تشريحيًا عن بعضها البعض.
  • هذه الذكاءات تكون مستقلة نسبيًا؛ فهي مستقلة لعدم ارتباط أي قدرة بوضوح بالقدرات الأخرى، فمعرفة قوة أو ضعف أي فرد في نطاق ذكاء ما لا يمكن أن يكون منبئًا بالقوة أو الضعف في نطاق ذكاء آخر، لكن استقلالها مع ذلك يكون نسبيًا حيث يدعي جاردنر أنها نادرًا ما تعمل وتحدد أثرها بشكل مستقل.. على الأصح فإنها تكون مستخدمة بتزامن وبنموذجية وتكمل كل منها الأخرى عندما يطور الأفراد المهارات أو يحلون المشكلات التي تواجههم على أرض الواقع، فاستقلالها التشريحي لا يكون مانعًا للتبادل والمشاركة بل يجعلها تعمل في تناغم لإنتاج ما يمكن تسميته بالسلوك الذكي في الحياة. وأرى أن رؤية جاردنر للذكاءات باعتبارها قدرات مستقلة تشريحيًا في المخ تعمل بشكل مترابط متكامل يعني أنه يتفق ضمنًا وما ذكره ثورنديك من أن الروابط العصبية بين أجزاء المخ لها دور هام في تحديد مستوى الذكاء.
  • الفروق الفردية في الذكاءات تكون نتاجًا مشتركًا لكل من العوامل الوراثية والخبراتية، وفي ذلك يتفق جاردنر في الرأي الذي يفترضه تقريبًا كل الباحثين فخبرات الإنسان تؤثر في الدرجة التي يمكن التعبير بها عن كل ذكاء مثلما تؤثر العوامل الوراثية، فقد يكون لديك أفضل مورثات في العالم لكن إذا لم تتعرض لخبرات موسيقية فإن ذكاءك الموسيقي لن يتطور، كما أنه بينما تكون ذكاءات خاصة متطورة لدى العديد من الأشخاص في ثقافة ما، لا تكون تلك الذكاءات نفسها متطورة لدى الأفراد في ثقافات أخرى؛ ذلك أن المجتمعات تقدر أنماطًا مختلفة من الذكاءات. وبالتالي تضيف تلك النظرية عاملًا ثالثًا رئيسيًا مسهمًا في نمو الذكاء وهو الخلفية الثقافية والتاريخية للفرد والتي تضم المكان والزمان الذي نشأ فيه الشخص وطبيعة التطورات الثقافية أو التاريخية وحالتها في المجالات المختلفة.
  • يجب أن يُفسر الذكاء الإنساني في علاقته بالسياق الثقافي المحيط، فذكاءاتنا تعكس طرقًا مختلفة للتفاعل مع العالم.
  • كل ذكاء يتضمن قدرات فرعية أو مظاهر مختلفة.
  • باستطاعة كل فرد أن يعبر عن كل ذكاء بأكثر من طريقة، على سبيل المثال فإن كون الفرد أميًا –لا يستطيع القراءة- لا يعني أنه ليس باستطاعته رواية القصص، فكلاهما طريقتان مختلفتان تعبران عن الذكاء اللغوي.
  • هذه النظرية لا تقصي أو تستثني أفرادًا، بل تسمح لكل الناس بالمشاركة في المجتمع من خلال قواهم الخاصة وتمنحهم الفرصة كي يكونوا مبدعين.
  • يمكن لهذه الذكاءات أن تُنمى وتقوى أو تُتجاهل وتضعف، ويتوقف هذا على توفر الدوافع لدى الفرد والتشجيع/التثبيط من المحيطين به وتوفر/عدم توفر التدريب المناسب، وبالتالي فإن بروفيل ذكاء الفرد يكون قابلًا للتغير، فنحن نستطيع جميعًا أن نُحسن كل الذكاءات، رغم أن بعض الناس تتحسن بسهولة وسرعة في نطاق ذكاء أكثر من الذكاءات الأخرى؛ إما لأن الحياة أعطتهم عقلًا أفضل في ذلك الذكاء أو لأن ثقافتهم أعطتهم معلمًا أفضل.
  • معرفة الفرد ببروفيل ذكائه تصل به لمستوى أفضل من الفهم أو لمستوى أعلى من المهارة.
  • بما أن الناس جميعًا ليس لديهم نفس الاهتمام ونفس القدرات فنحن لا نتعلم بنفس الطريقة، كما أن العصر الذي نعيشه لا يمكن أن يتعلم الفرد فيه كل شيء يمكن تعلمه.
  • يمكن أن نُحسن التعلم بمخاطبة الذكاءات المتعددة لتلاميذنا عن طريق تفهم الأساليب المتنوعة التي يمكن أن يتعلموا بها وأن نحترم اختلافاتنا لأن مجموعة ذكاءات كل تلميذ تحدد إلى أي مدى تكون السهولة أو الصعوبة للتلميذ ليتعلم المعلومات عندما تُقدم في نسق تعليمي معين، ويمكننا إيجاد العديد من الأنساق التعليمية في الفصل الدراسي الواحد.

إلى اللقاء في الحلقة القادمة من السلسلة

اقرأ أيضًا:

لمحة تاريخية عن تطور مفهوم الذكاء

هل يتوقف نمو الذكاء؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد