باختصار، ليس مطلوبا منك أن تغير العالم ، تستطيع المحاولة، لكنك محاسب على السعي، لا على النتائج، محاسب على العمل، لا على الأثر، عليك أن تسعى وليس عليك إدراك النجاح.

 

لوهلة يقيس الإنسان نجاحه أو فشله – أو نجاح دعوة ما أو مذهب ما – بمقدار الأثر الذي أحدثه في دنيا الناس، فيجلس مهموما محزونا، يشعر أن عمره قد ضاع سدى، وأن أعماله ذهبت أدراج الرياح، ولا يضيع المعروف عند الله، حتى وإن غاب أثره في دنيا الناس.

 

في الحديث: “عرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد”. بالتأكيد قام هؤلاء الأنبياء بدعوتهم خير قيام، لم يقصروا أو يتكاسلوا أو يخطؤوا، ورغم ذلك لم تلقَ دعوتهم القبول، ولا يضرهم.

 

لماذا نغفل عن نصوص قرآنية خاطب بها ربنا الكريم، رسوله صلى الله عليه وسلم، المؤدب من ربه، المؤيد بوحيه، المصنوع على عينه، محددا مهمته أدق تحديد، بالتذكير والموعظة والتعليم والتلاوة والتزكية والبلاغ، فيذكر البلاغ في أحد عشر موضعا من كتابه، (ما عليك إلا البلاغ)، واصفا هذا البلاغ في أكثر المواضع بـ(المبين): (ما على الرسول إلا البلاغ المبين). هكذا بأسلوب الحصر والقصر.

 

أما ما يترتب على هذا البلاغ من هداية في الدنيا، أو حساب في الآخرة، ثم ما يتلو ذلك من نجاة أو هلاك، فليس ذلك من شأنه، فالهداية أمرها إلى الله: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء)، حتى وإن تقطعت نفسه عليهم حسرات، (فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات).

 

والله هو الذي يحاسب الناس في الآخرة، وليس أحد من الناس كائنا من كان، (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)، (فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر).

 

وكون النبي على الحق الذي لا شك فيه، فهذا لا يسوغ له إكراه الناس على قبوله، أو سلوك سبيله، أو اتباع هديه، (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مسلمين).

 

فيا أيها الدعاة والساسة والمصلحون والخطباء والكتاب والمربون، ليس بشر أعظم واجب تجاه بشر، من رسول تجاه من يدعوهم، وقد حدد الله مهمة رسله بما سبق، ولستم أرفق بعباده منه.

 

وقد انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى ولم تؤمن إلا الجزيرة العربية، ثم لم تلبث أن ارتدت على أعقابها، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان قد أسلم الراية إلى جيل من الدعاة بعده، فما هي إلا عقود من الزمان، حتى كان الإسلام قد خرج الإسلام من صحراء الجزيرة إلى ربوع آسيا، ومجاهل أفريقيا، ووقف على أعتاب أوربا.

 

يعتقد البعض أنه بمجرد أن يكتب مقالة، أو يعد برنامجا تلفزيونيا، أو ينشر كتابا، أو ينشئ قصيدة، أو يلقي محاضرة أو درسا، أو يعمل عملا صغيرا أو كبيرا، أنه سيغير العالم، ويوعي المجتمع، ويفعل ويفعل!

 

ويذكرني هذا بموقف شهدته في مؤتمر لإحدى المؤسسات الكبيرة، وكان النقاش دائرا حول تعديل اللوائح المنظمة للعمل الداخلي، فطلب أحد المتحمسين الكلمة فكان مما قاله: العالم ينتظر البيان الختامي، ونحن مشغولون بمثل هذه التفاصيل! على المستوى الشخصي لم أشعر أن العالم ينتظر شيئا، أو أن البيان الختامي سيحدث تحولا في مسار الأحداث، وإن صدق ما قاله الرجل الكريم، فما على العالم أن ينتظر ساعة أو ساعتين حتى نفرغ مما نحن فيه.

 

علينا أن ننظر لما نفعله، بأنه قد يكون خطوة صغيرة نحو الهدف الكبير، وقد لا يكون شيئا على الإطلاق، وألا نرفع كثيرا من سقف أحلامنا وتوقعاتنا، فكثير من الكتاب لم تشتهر كتبهم إلا بعد وفاتهم، وكثير من الرسامين لم تُبَع أعمالهم بالآلاف إلا بعد موتهم، وماتوا فقراء منبوذين، وكثير من العلماء اضطهدوا بسبب آرائهم من إخوانهم من العلماء قبل الأمراء، وبعد حين من الدهر صارت آراؤهم عمدة الفتوى، قاموا بما يجب عليهم نحو ما آمنوا به واعتقدوه، ولم يؤثر فيهم كثرة المعارضين، ولا قلة الموافقين.

 

الخلاصة: ليس الأمر دعوة إلى السكون أو الرضا بالدون، أو مسوغا لترك المحاسبة والمراجعة على المستوى الشخصي والعام، ولكنه محاولة لإعادة تحديد الواجب وفق الإمكانات والمؤهلات.

 

عليك أن تقوم بما يجب عليك، على قدر إمكانياتك ومؤهلاتك، وأن تدعو لما تؤمن به، وأن تحاول أن تحدث تغييرا إيجابيا في الدوائر المحيطة بك صغرت أم كبرت، هذا هو المطلوب، فإن أسعدك الحظ وكنت واحدا من الذين يغيرون العالم، أو يؤثرون فيه، فبها ونعمت، وإلا فلست مطالبا من أحد بتغييره.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد