رحم الله خالد صالح، الفنان حقيقي الإبداع، الملتزم بوجود رسالة في كل عمل! رحمه الله في نقله من خلال حاتم في هي فوضى وبشكل شديد الإتقان، تفاصيل من شخصية هي للأسف حاضرة بيننا تقتات على غياب عدل حقيقي وتتقوى من طغيان المقاربات الأمنية في معالجة كل شيء مهما كان بسيطًا، إن لم نقل أنها حاضرة صيغة حكم في بلدان بعينها.

علم النفس مطالب باستجماع طاقاته والتواصل مع ما تنتجه التكنولوجيا الدقيقة لمحاولة حل لغز تكوين شخصية الإنسان. وفي انتظار ذلك سنكتفي بالاستغراب أمام كل ما ينتجه كثيرون ممن يحيطوننا من سلوكيات يرونها منطقية طبيعية في الوقت الذي لا يمكن أن يختلف عاقلان على فسادها. تمامًا كحاتم هي فوضى الذي ينظر للعالم وفق رؤيته الخاصة متجاهلًا تمامًا كم الإيذاء الذي يطال محيطه من خلال سلوكياته في ممارسته لسلطته المحدودة الحجم. ومهما تكن المبررات الإنسانية والنفسية التي قد تعطي تفسيرًا لتصرفات الإيذاء، فإن ضحاياها غير مطالبين بتحملها أو محاولة التعايش معها كما هو حال معظمنا مع كل حاتم يقابله في مختلف معاملاته الإدارية. الشق النفسي في معالجة مثل حالات حاتم يصبح جوهريًّا لمحاولة فهم التناقض الصارخ في سلوكيات الإنسان بين العطف في العلاقة بالأهل والقسوة في معاملة الغير، بين قوة مشاعر المحبة والقدرة على إنتاج الطغيان دون رحمة، وفي تناقض دموع الضعف وعدم الإحساس بدموع ألم الآخرين!

في تجربة علمية فريدة فكرتها تكوين مجموعتين من متطوعين يعيشون مع بعظهم في شكل سجن مصغر، توكل لمجموعة منهما مسؤولية حفظ الأمن وفرض القانون، اصطدم العلماء بسرعة تحول الأحداث لمآسي إنسانية صادمة. التصادم حتمي لا يرتبط بالطبع لأن الأطراف غير مسبقة المعرفة فيما بينها وهي في الغالب حاملة لسلوك سليم خارج إطار اللعبة، بل متصلة بالقدرة على ممارسة السلطة في مواجتها لفطرة الإصرار على ممارسة الحرية. وهنا يكمن كل التحدي الإنساني الذي يستوجب إيجاد أرضية تعايش بين القانون والخضوع لتفاصيله. الموضوع يصبح أكثر حساسية إن خرجت ممارسة السلطة عن حدود حماية تطبيق القانون لتصبح منتجة لنسخ هجينة منه، تفصل وفق أهواء ممارسيها وهوية من يقف أمامهم. والحال هذا للأسف يغزو الكثير من البلدان التي تقدم نفسها سائرة في طريق النمو!

عندما يصبح الحصول على شهادة إدارية تافهة القيمة في حياة المواطن حربًا مع الإدارة ومع الذات! مع الإدارة في تعود جزء كبير من أهلها على معاملة المواطن بقانون غير مكتوب يناقض صلب القانون المكتوب في قدسية العمل العمومي خدمة للمواطن، قانون يخلط الخدمة بالإهانة والتفهم الإنساني بالتعنيف التلقائي والمساعدة الإدارية بالجميل المردود وقوة المواطنة بجبروت الواسطة. ومع الذات لأنه يدخل حربًا بين مبادئه واستعجالية قضاء غرضه الإداري، بين تطلعه للتغيير وخضوعه لقانون الممارسة، بين إحساسه بقيمة مواطنته وقدرته على تجرع إهانات لا قيمة لها غير كسر النفوس. عندما يعيش المواطن تجربة وقاحة رجل سلطة تعود النهر أسلوب تواصل والرفض جواب أولا والتصعيب صيغة تعذيب، تكسر قلة حيلته إيمانه بمفهوم الوطن ومؤسساته. ومع أن مجهودًا حقيقيًّا لتحديث الإدارات بين، يتفانى في تنزيله على الأرض رجال سلطة شرفاء ضمائرهم نظيفة تحترم نبل مهامهم، فإن وجود النوع الذي يحن للمارسات الماضي بينهم مسيء للوطن والمواطن والسلطة معًا.

الإدارة هي صلب العمل العمومي، والأجهزة الأمنية الداخلية هي عصب السلطة التنفيذية وواجهتها الأولى. الإصلاح الحقيقي ينطلق من تحديثها فكرًا قبل الوسائل. والواقع هذا يصبح مستعجلًا في البلدان التي لا ترتبط فيها هذه الجهات بسلطة منتخبة تجعلها تلقائيًّا في خدمة المواطن. أولئك الذين يستمرون في الرهان على حكم المواطن الخائف الخاضع المستعد لاجترار كل أنواع المهانة في ممارسته لمواطنته، ومعهم كل الواهمين في رؤية مفهوم السلطة مهما كان حجمها وفي شكل ممارستهم لها هم من يقامر باستقرار البلدان التي لا يمكن أن نطلب من أهلها العيش وفق ضوابط تجاوزتها الإنسانية منذ عقود. الحل في ديمقراطية حقيقية تعطي القدسية للمحاسبة في ممارسة أي شكل من أشكال السلطة وأي حجم من أحجامها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!