كان أستاذ الفلسفة أيام الثانوية يردد كثيرًا مقولة ديكارت: (إن حواسنا تخدعنا من حين لآخر)، الحواس تخدعنا من حين لآخر حسب ديكارت، وهي في الحالة الطبيعية، وبدون أن يمارس ضدنا أي نوع من الخداع.

جل معارفنا وكل الأخبار التي نعرفها هي بشكل كبير تأتينا من الإعلام المرئي أو المسموع أو من خلال القراءة.
هذه الجهات التي تأتينا بالأخبار هي كيانات يعمل عليها أشخص تقوم عليهم هيئات حكومية وغير حكومية أو جهات معينة ويتقاضون أجورًا.

مدرس نظريات العلاقات الدولية في الجامعة كان دائمًا يردد مقولة Theory is always for someone and for some purpose.. robert cox.

النظرية دوما هي لخدمة شخص معين ولهدف ما.. حسب robert cox.

ترى ماذا كان الحال لو كانت المعلومة لا تصل بكل هاته السرعة وبكل هذا الكم؟ هل كنا نعلم كل هاته القضايا التي في العالم بكل تلك السرعة وتلك التفاصيل؟ طبعًا وقطعًا لا.. لم يكن باستطاعتنا معرفة ماذا يحدث حتى في ولايات الوطن الواحد، إلا بعد أيام وأيام، فما بالك بما يحدث وراء البحار.

إذًا المعلومات تأتينا من جهات معينة وبتفاصيل معينة. ترى لماذا نصدق هذه الجهة وندافع عنها وكأنها تنقل الحقيقة كما هي، وبالمقابل نكذب تلك الجهة ونعتبرها مزيفة؟ أليس الكل حسب كوكس يعمل تحت أنجدة معينة ولأجل جهة معينة تحت مصالح معينة، لماذا نسلم عقلنا لهاته ونمنعه عن تلك؟

يقول مالكم إكس: إن لم تكن فطنا فإن الجرائد ووسائل الإعلام  ستجعلك تكره المضطهدين وتحب الذين يمارسون الإضطهاد. وهذا الذين يحدث غالبًا لعامة الشعب؛ لأن كل معارفهم وكل الأخبار التي عندهم منقولة لهم من طرف إعلام معين عكفوا على متابعته، قد يكون حكوميًا وهذا الغالب، لكن صدقني قد يكون مستقلًا أو قد يظهر لنا أنه مستقل، فالأمر سيان، إن لم تمتلك القدرة على تمحيص الحقائق من غيرها وتتجرد من الذاتية وتسعى لأن ترى الأمور  بمنظور مستقل غير عاطفي، ولن يكون لك ذلك إلا بالقراءة وتنويع المصادر، والسعي وراء الحقيقة بدون عاطفة وبكل تجرد.

في الحرب العالمية الثانية ظهر مصطلح غاية في الأهمية، وهو مصطلح التأطير لجوزيف جوبلز، والذي يتلخص في إعطاء الشعب مجموعة من الخيارات والأراء ووجهات النظر ليختار الشعب إحداها فيظهر الشعب على أنه صاحب القرار، لكن في الحقيقة كان هذا هو غاية التأطير، فكل تلك الخيارات كانت مقبولة من طرف مانحها وكلها كانت خيارات تصب في صالح جهة واحدة، أي أن الشعب إختار واحد من الخيارات التي أرادها ما أعطاه إياها. كان جوزيف جوبلز، وزير الإعلام للحزب النازي ولألمانيا، واحدًا من أكثر صناع الإعلام الموجه، وإثارة للشائعات في العالم، وهو الذي قال: أعطني أعلامًا بلا ضمير أعطك شعبًا بلا وعي.

دعك من فكرة نقل الحقيقة كما هي وفكرة المصداقية، ودعك من مقولة أن الإعلام سلطة رابعة. الإعلام مهما كان فيجب أن يكون عنده عجز في المصداقية صحيح بنسب معينة، وليس بشكل مطلق، لكن هناك نسبة عجز في نقل الحقيقة دائمًا.

الإعلام بالنسبة للشعوب هو السلطة الأولى، وليس الرابعة، فمن الغباء أن نكون بالمطلق تحت سلطة يتحكم فيها من يتقاضون أجور، يجب دائما أن نتعامل مع المعلومة بحذر مهما كان مصدرها، فالحواس وهي منا تخدعنا باستمرار بدون مؤثر خارجي فما بالك إذا كان هناك مؤثر ومؤثر قوي، سيكون الخداع أسهل، تذكر أن الكل مهما كان نوعهم هم يعملون على تحقيق فكرة معينة أو الدفاع عن مبدأ معين أو لخدمة شخص ما.. وللخروج من كل  هذه الفوضى هو  يجب معرفة من المستفيد الحقيقي من كل حدث ولن نستطيع معرفة ذلك بالجهل، ولتتذكر مرة أخرى أنه كلما كان الجهل كبيرًا، كلما سهل الخداع أكثر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد