كتبت قبل عامين وأنا أكثر حماسة من الآن. كان الشتاء قد سيطر على مجريات الأمور، وأسدل الظلام علينا ظلاله، فلم يعد للمستقبل ملامح واضحة، العامة في شوارعنا كانوا يتحدثون في كل ما لا يسمن ولا يغنى من جوع، تارة عن مباراة للكرة، أو خبر تصدر الصحف عن إحدى الفنانات، أو إصابة بوعكة صحية لأحد المسئولين يتحدثون عنها، ثم يخرج أحدهم بمزحة ليخبر الباقين أنه لا داعى للقلق ما هي إلا أيام وتكذب تلك الشائعة، ثم يردف قائلًا: المسئولون في بلادنا قد ولدوا آلهة، وحين يتمسكون بكرسي العرش لا يُزالون عنه أبدًا فيضحك الجميع ثم ينتهى الأمر.

كان الحديث ينقسم بين قسمين لا ثالث لهما، البعض يدفن رأسه بالتراب ويخشى من أن يبطش به، والبعض يتحدث عن العلة دون أمل في علاج، الأمل في وقتها كان يعد دربًا من جنون أو أسطورة إغريقية لم يعلم أحد مدى صحتها، ولا دليل على وجودها، أما الليل فقد سيطر على حياتنا حتى أني أكاد أقسم أن النجوم قد تواطأت معه وأعلنت انسحابها التام من المشهد لتتركنا هائمين في بحر الظلمات دون هدايا أو دليل يرشدنا، كان الوقت يمر أكثر فيستشرى فينا الظلم أكثر ويزداد الطغيان أكثر فأكثر حتى ظننا أنه لا مفر لنا منه، وأن الفجر لن يأتي أبدًا، وأن أحلامنا وأمانينا يمكن تلخصيها في تأشيرة سفر.

قالت لي جدتي يومًا إن لكل منا من اسمه نصيب، قالت وكانت تخطئ مرات في قولها، وتصيب مرات، فلم أعتد أن آخذ ما تقول دومًا على محمل الجد، ولكن تلك المرة كان الأمر مختلفًا، تلك المرة قالت وأنا أمَنت من خلفها على كلامها، وكان اسمًا قد لاح ببالي حين ذكرت أمامي تلك الحكمة، وظل سؤال يدور دومًا بخلدي.. أتراه يخذلك خالد؟

كان ظهوره أشبه بظهور علامة (باتمان) في السماء كاستنجاد أخير أو محاولة بائسة للنجاة، فكان ظهور قصة شاب لم يعرفه أحدنا قدر ما كان الرمز لنا، شخص يحمل في اسمه الخلد والسعادة ليجتمعا معًا فيصبحان (خالد سعيد)، كان اسمه هو تمامًا تلك العلامة البارزة التي تعلن ميلاد فجر جديد أو نجمة قد انشقت عن الأخريات لتعلن التمرد والتعاطف معنا لتصبح دليلًا، وتدلنا من أين تشرق الشمس وكيف ينهزم الليل.

أما في الطرف الآخر من البلدة على رمال البحر الأحمر وشاطئ (القنال) (كما يسميها أهل البلدة)، كانت قد سرت بين أطراف الجموع في بلد الغريب أسطورة تتحدث عن النهاية، رواية قد حفظها الجميع وسرت بيننا كالهشيم في النار يحفظها الصغير قبل الكبير وتدور على مسامعنا طيلة الوقت حتى أنها اصبحت واقعًا يصدقه الجميع، أما أنا فرجل عاقل كافر بكل ما لا أساس علمي له، قد أحب قراءة الأساطير والغوص في خيالاتها، ولكني أبدًا لا أؤمن بها، تقول النبوءة إن حاكم البلاد لا يزور بلدتنا تحديدًا لأن إحدى العرافات مغربية الجنسية قد أنبأته بأن نهايته ستكون من هنا، وأن حياته ستنتهي على يد أبناء بلدتنا، ولذا فإنه يفر منا ولا يزورنا أبدًا، بالرغم من قربنا من مقر حكمه، يهرب ظنًا منه أن أقدارنا قابله للهروب منها.

اسمع تلك النبوءة بين الحين والآخر، يتداولها المثقفون تارة، والبائعون تارة، والمتمسكون بأنصاف الأمل تارات، هؤلاء المجاذيب الذين يحلمون بالتغيير، يقولون دومًا لنا: سينتهى هنا.

ما بين أمواج الإسكندرية، حيث خالد سعيد وألحان السمسمية في السويس، التي تتحدث عن الصمود والمقاومة والنبوءة الخالدة، كان لابد أن يولد رابط يجمعهما، ولأنه دائمًا وأبدًا خير الأمور الوسط، فوجب أن تنال القاهرة من الحب جانب، وليتحدوا معًا فينصهروا حتى يكونا مثلثًا عرف فيما بعد بمثلث الثورة المصرية.

في أسطورة يوسف شاهين الخالدة فيلم (الأرض) يقول محمود المليجي في واحد من أشهر المشاهد في تاريخ السينما المصرية (والكرامة.. يفضل إيه للبني آدم لما تتهان كرامته)، ربما جملة قصيرة ولم تحصل على حقها، ولكنها تبقى واحدة من أعظم الجمل التي شهدتها الشاشة، مشهد لخص فيه محمود المليجي الكثير مما نعاني منه، مشهد كان الدرس العملي له بعد الفيلم بسنوات كثيرة على أحد الأرصفة في تونس تحديدًا حين قرر بائع مغمور يدعى البوعزيزي أن يضرم النار بنفسه ردًا على صفعة قامت بها شرطية لو علمت الغيب لما تجرأت عليها أبدًا، اضرم النار بنفسه ليضع كرامته قبل كل شيء، ويهدينا صراط الثورة مستقيمًا.

تقول النكتة: (إن الإجابة تونس)، ولأن الإجابة دائمًا وأبدًا تونس، ولأن أحد المارة في الشوارع قد صرخ (بن علي هرب، المجرم هرب.. يا توانسة معادش خوف)، صرخ بها فأشعل فينا الحماس، وألهم خيالنا المريض بالمحاولة، صرخ فدوى صدى صوته في مصر؛ فكان (الشعب يريد إسقاط النظام).

قال صديقي منذ عدة أيام: إنها الذكرى السنوية للثورة، ابتسمت له نصف ابتسامة، ابتسمت ابتسامة من تلك التي يمتزج بها الفخر بالمرارة، فلا تستطيع أن تصف شعورك فتبتسم.

قلت لصديقي حاشا لله أن أنساها، لكني أقل حماسة هذا العام، وبالرغم من هذا مازال الخوف يجري في نفوس النظام أكثر مما يجري الحماس في نفوسنا، قلت لصديقي: سأكتب عنها، ولكن بلغتها.

كنت محظوظًا جدًا لأكون من أبناء السويس، وكنت أكثر حظًا لأكون متواجدًا في الشارع عند اندلاع الأحداث، فأشاهدها وأعيشها كاملة، قلت كانت ثورة شعب منذ اليوم الأول، فلنتحدث بلهجة الشعب، وكانت تعتمد البساطة في الهتافات، فلنعتمد البساطة في الحديث، ولهذا فضلت ان أكتب بالعامية؛ لأن كل الذكريات كانت بالعامية.

(إنها الذكرى، ذكرى الشوارع والمطاردة والاشتباكات والخل والغاز والكمامة أم جنيه اللي ما بتعملش حاجة، ذكرى شترا العلم أبو خمسة جنيه، والطوب الصغير عشان تحدفه عالي، ذكرى احدف الطوب لفوق عشان ميخبطش حد واقف قدام، ذكرى قطع الاتصالات وأهلنا بيدوروا علينا، ذكرى يا أهلينا ضموا علينا، والشعب يريد إسقاط النظام، ذكرى الحماس واحنا بنتفرج على بن علي هرب، المجرم هرب، يا توانسة معادش خوف، ذكرى النقاشات الجانبية: هو الريس ممكن يمشي؟ طب لو مشي ايه اللي هيحصل و لا الدولة هتمشي ازاي؟ ارحل يعني امشي، يا اللي ما بتفهمشي، ذكرى لم فوارغ الغاز والخرطوش والبصل اللي بيتحدف من البلكونات، ذكرى المطاردات والكر والفر والخميرة، ذكرى الخوف بيجري جوانا فندب برجلينا ع الأرض، فالعساكر يخافوا أكتر فنطمن احنا، ذكرى ظهور نوع جديد من الفن والمطربين وأحاسيس كتير لأول مرة، ذكرى حرق مقر الحزب الوطني وإسقاط هيبة النظام وشوكة 30 سنة ذكرى عيش حرية عدالة اجتماعية).

ابتسمت وأنا أتذكر كل هذا، وجرى شعور ما في دمي جعل الحماسة تدب في أطرافي، ابتسمت وانتشيت وقلت له لقد انتصرنا على الأقل في معركة واحدة، من مر من الميدان مرة فقد تغير إلى الأبد، وفتن بمبادئه إلى ما لا نهاية).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد