بعدما فَقَد يده قبل 9 سنين وانتُزِع منه الإحساس بالأشياء، استطاع فريق عملٍ سويسري بتعويضه عن طريق اختراع يد صناعية مربوطة بالجهاز العصبي يمكّنها الإحساس واللمس عن طريق أصابع روبوتية ليمسك بيد ابنته التي تعاني من ألم الأسنان، وتفكر في وجع التحفير والنخر، ليُبشره الطبيب أن هناك فريقًا بحثيًّا من جامعة هارفارد الامريكية تمكّنوا من استخدام أشعة ليزر منخفضة الطاقة في تحفيز الخلايا الجذعية للأسنان لإعادة تشكيلها دون الحاجة الى الحفر والنخر المزعجين.

دُهش الرجل لسماع هذا الإنجاز العلمي، فأجهز الطبيب على دهشته بإخباره أن أستراليا مثلًا طورت مجاهر القوة الذرية بحيث يمكنها من تتبع أجسام أخف من البعوضة بمائة مليار مرة (العدد صحيح كما قرأت).

ثم نظر الأب إلى ابنته فانتزع من يديها «وردة» كانت قد قطفتها فصرخ بها قائلًا: اليابان أقاموا بحوثًا في إطالة عُمْر الزهور وأنتِ تقطفينها! عطّلوا الجين المسؤول عن الشيخوخة وأنتِ تقطفينها!

يكفي الآن.

راجع أحداث القصة الماضية الخيالية المَجرى والصحيحة بكافة تفاصيلها، هل لمحت وجودًا للعرب غير لغتي التي أكتب بها؟ أنت قرأتها في الواقع ولكنك نسيت، أتذكر أكبر «كبسة»؟ يبدو أنك لا تتابع الأخبار بشكل جيد، حسنًا أكبر صحن «تبولة»؟ حمص؟ نسبة فقر؟ رشوة؟ فساد؟ رجعية؟ مع رفضي التام لهذه الكلمة وأُفضّل استبدالها بتوقف مفاجئ لهرمون النمو.

أول ما يخطر ببالك عندما ترى رأس أسد بجسد سمكة – لا ليس أن تكتب سبحان الله – هو الأسد «ميرليون» الشعار الرئيسي لبلد سنغافورة.

هذه التي كانت تابعة للسيطرة البريطانية منذ أكثر من مئة عام والتي كان عدد العاطلين عن العمل فيها أكثر من ثلاثة ملايين شخص وكان أكثر من ثلثي سكانها يعيشون في أحياء فقيرة، وتفتقر إلى الموارد الطبيعية والصرف الصحي والبنية التحتية المناسبة، وكانت بحاجة للحصول على مساعدات دولية لنموها ولكن دون أي فائدة.

فقاموا بتنفيذ برنامج شامل للتصنيع، مع التركيز على الصناعات المتعددة، لأن الغالبية العظمى من السكان قادرين على العمل في قطاعي التجارة والخدمات، تمكنوا من الوصول إلى العالمية وشيَدّوا شركات متعددة الجنسيات، كما أنها استقطبت أعدادًا كبيرة من المستثمرين إلى البلاد بسبب البيئة الآمنة التي وفروها والخالية من الفساد والضرائب المنخفضة جدًا.

لتصبح تمتلك الآن واحدًا من أسرع الاقتصادات في العالم ليصل نتاجها إلى ستين ألف دولار أمريكي، لتحتل بذلك المرتبة السادسة على أكبر دول العالم. لعل بالنظر إلى تاريخ سنغافورة تجد أن أهم عوامل نجاحها هي تطبيقها للقواعد بشكل صارم والتزام شعبها بالقوانين وإعطاء حكومتهم الثقة لتصل بلادهم إلى هذا التطور الملحوظ.

سؤال على الهامش للتفكيرَ: «كم مرة تستخدم كلمة IBM في حياتك؟».

لنعد إلى موضوعنا الآن ونربط الأمور ببعضها، عندما نشاهد كمية التطورات التي يسبقنا بها الغرب، وكمية الإنجازات المحيطة بنا، يُغرقنا شعور الإحباط والكُره والحقد على الوضع الراهن والحب الأعمى لكل الحضارة الغربية وتقليدهم حتى في تمزيق ملابسهم.

ونجد البعض قد طبَق حرفيًا بيت الشاعر القائل :«عين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا» وينهالون بالتمجيد للغربيين وتطورهم وحضارتهم وانفتاحِهم والسخط على بلادهم ومجتمعهم ودينهم.

عندما تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية أعلى دول العالم بانتشار معدلات الاغتصاب والتحرش الجنسي وتأتي المكسيك المشتهرة بجرائم القتل الجماعي وتجارة المخدرات والخطف، والعنصرية الغنية عن التعريف، المافيا، التفكك الاجتماعي، الانتحار وغيرها الكثير.

في الحقيقة لا يمكن القول أنه من الممكن أن تميل كفة الميزان إلى صالحنا بذكر السابق، لأن ما بين الكفتان كما بين السماء والأرض، نحن انشغلنا بالنظر إلى هول الفجوة ونسينا أن الميزان بين يدينا أو من عندنا بمعنى أصح، ونسينا أننا في أخذنا الميزان بعين التطبيق سنبدأ بالنهوض.

سنبدأ بتقليل المسافة الشاسعة للنهوض بمجتمعنا، أكثر ما ساعد الأوروبيين في نهضتهم من الناحية الاقتصادية خاصة هو التزامهم بالقوانين بشكل صارم فتخيل لو التزمنا بتعاليم ديننا بشكل صارم؛ هناك لديهم غرامة عند رمي القمامة على الأرض وهنا لدينا «إماطة الأذى عن الطريق صدقة» هناك الرشوة إهانة وهنا الراشي والمُرتشي ملعون، هناك كلٌ منهم يحاول التفوق في مجاله وهنا «إذا عمل أحدكم عملًا فليتقنه»، هناك يشجعون على التعليم وهنا «اقرأ».

 

ما الفرق إذًا؟ الفرق هو التطبيق، عندما نكون أول شيء نتعلمه اقرأ، عندما تؤمر بالاتقان وبحب الناس وبمساعدة الفقراء، عندما يُرفَضُ أن تكون شخصًا بلا عقل وتؤمر بالتأمل، عندما نستطيع أن نتجاوز كل هذا الانحطاط الحاضر بالنهضة المستقبلية فقط عن طريق عقل واعٍ وزرع أفكار صحيحة بعيدة عن التشويه والتضليل والفهم الخاطئ لمبادئ الحياة والدين.

لكن هناك بصيص أمل، هناك أجيال قادمة وأمة قادرة على البناء والنهوض من جديد، أغلب شعوب الحضارة الغربية صدّروا للكون حبهم لأنفسهم وثقافتهم، نادرًا ما ترى غربيًّا يخجل من ثقافته بل ويبرر كوارثها بأي شيء، بالحرية الشخصية، بالانفتاح، بالـ «Sorry» المهم أن يبقوا هم الأفضل.

يجب أن نبدأ من الحب، عندما تحب نفسك وأهلك ومجتمعك، حاول النظر إلى أي شيء إيجابي تراه بمجتمعك وتحدث كثيرًا عنه، وإذا لم يكن هناك شيء (أوجده)، أنت خليفة الله على الأرض وإعمارها هدفك الأسمى، هناك جزء مفقود من كتاب نهضة أمتنا ينتظر منك أن تخُطَ بدايته، مع الاستفادة من الحضارات الأخرى والتَعلم لنُقلل الزمن قدر المستطاع بالنهضة السريعة والتعلم من أخطاء الغير دون أن يتسلل اليأس إلى قلوبنا.

عندما نفتح عقولنا على مبادئنا الصحيحة وعلى أهمية تطبيقها الفعلي سنفهم من أين نبدأ، الموضوع لا يقتصر فقط على التسابق بعدد الصلوات في اليوم الواحد وتجاهل الأخلاق الواجبة علينا، ولا يخص دعاء السفر والسوق فقط، الأمر لا يعني التقليل من أهمية الفروض أبدًا ولكن يجب أن نعي أن التطبيق أكبر بكثير من هذا، عندما يقول رسولنا الكريم «إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن يغرسها فليفعل».

من هذا فقط، دون التطرق إلى أي شيء آخر،عندما تؤمر بإعمار الأرض الى آخر لحظة، عندما تتحمل مسؤولية البناء وأنت ترى بعينيك فناءها، عندما تعمل وأنت ترى الأرض تتدمر، وكأن هذا الحديث وجِد ليرد علينا حين يأسنا من العمل دون نتيجة.

غيّر طرق استقبالك للأمور والآراء، تقبل الرأي الآخر، خذ ما يفيدك منه واحترم الباقي، واعمل بما ينفع أمتك ونفسك ومجتمعك.

عزز ثقتنا بنا وابتعد عن «IBM» التي في سؤال الهامشي وهي:

I : إن شاء الله، التي تعني التواكل، الله سبحانه وتعالى أمرك بالأخذ بكافة الأسباب والعمل بها والتوكل الداخلي لا التواكل دون عمل.

B : بكرة، لا تؤجل عمل اليوم الى الغد ابدأ بعملك دون تسويف.

M: مسكّرة بوجهي، قد تكون سلكت طريقًا مغلقًا فكيف تحكم على باقي الابواب دون أن تزورها، كل مشكلة تواجهها ليست نهاية العالم بل هناك مكان الحل عشرات الحلول، جرّب دون يأس واستحضر نية التوكل على الله بحق دون التواكل، اقضِ على اليأس والأفكار السلبية بحياتك، نحن بحاجة إلى عقلك ووجودك الفعّال.

تخيل لو طبقنا منهجنا فعلًا، هل تتخيل أننا من الممكن أن نعاني من مشاكل في التحرش والاغتصاب والقتل والسرقة؟ إذا التزم كل شخص بالمنهج الصحيح الفعلي للدين والمبادئ، قد يقول البعض أن الملتزمين لا يفعلون شيئًا بل ويمثلون صورة سيئة للإسلام، حسنًا لنذهب إلى أفضل مدرسة في العالم وإلى أفضل معلم في هذه المدرسة وقم بالدخول إلى صفهِ، هل سيكون كل الطلاب لديه هم من المتفوقين؟

أو هل جميعهم لديهم نفس درجة التفوق؟ بالطبع لا، مع أن المعلم نفسه والمنهج نفسه ولكن هناك طالب يلتزم بتعليمات المعلم حرفيًّا مع الفهم والبحث والممارسة وهناك طالب يؤجل جميع واجباته وهناك من يتناساها وهناك من لا يريد أن يطّلع عليها أساسًا، فالمشكلة لا تكون بالمعلم ولا بالمنهج بل بالطالب، ولديك الخَيار.

وأخيرًا لنبتعد قليلًا عن التمجيد لغيرنا ونَدْب حظنا كالمُفلسين، إياك أن تكون من المفلسين وتقوم فقط بعرض مساوئنا وعيوبنا، كما فعلتُ أنا في بداية المقال ومتأكدة من حجم الإحباط بداخلك حين المقارنة، دعنا نضع بواجهة عروبتنا من قدّم للبشرية ما ينفعها أمثال د.طارق حسنين الذي طوّر علاجًا فعّالًا لالتهاب الكبد الوبائي، والباحث حيدر التميمي العراقي الأصل وإنجازاته في حقل علوم الأعصاب والكثير في مجالات الفلك والعلوم والفيزياء، لنبحث عن إنجازاتنا ونعرضها ونصلح دواخلنا ليأخذ غيرنا القدوة من خارجنا ولا ننسى أن الله أمرنا بالإحسان إلى كل شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المُفلسين
عرض التعليقات
تحميل المزيد