أتوقف كثيرًا مدهوشًا عند قراءة رأيٍ ما تم تأصيله على اجتزاء آية من القرآن الكريم من سياقها لتوظيفها لمصلحة شخصية أو سياسية أو كأداة في حرب فكرية ما.

عندئذٍ تسيطر عليّ مشاعر مختلطة تتأرجح بين الشفقة والازدراء، فهو إما أن يكون جاهلًا يفتي بغير علم فيُضِلَّ ويَضِلَّ وإما أن يكون من اللادينيين الذين يهدفون لتشويه الصورة لدى من لا يحسن التقدير والتقييم.

 

آية “وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” من سورة آل عمران هي إحدى تلك الآيات التي لم تسلم من جهل الجاهلين وافتراء المفترين سواء من اللادينيين أو (للأسف) من (بعض) المسلمين.

فالمؤمن (أعني المسلم) يتناول هذه الآية سيفًا يقطع به بالكفر على كل من ليس على دين محمد (صلى الله عليه وسلم) جازمًا بخلوده في النار يوم القيامة ولا ينسى أن يحمد الله على حظه السعيد الذي جعله ينشأ في بيئة مسلمة لأسرة مسلمة وليس كأحد هؤلاء المسيحيين المساكين الذين ولدوا لأسر مسيحية ولم يسمعوا عن الإسلام (إلا المغلوط منه ربما) وسوف يخلدون في النار مع الأسف بسبب حظهم العاثر ذلك.

أما اللادينيون (أو حتى أتباع الديانات الأخرى) فيستغلون هذا الآية لكي يؤكدوا لأنفسهم ولغيرهم أن إله الإسلام (إن وجد) فهو إله ظالم ولا ينسى أيضًا أن يكيل السباب ووابل الازدراء للمسلمين المخدوعين وإلههم ونبيهم.

وكالعادة فما بين جاهل من اللادينيين وجاهل من المؤمنين قواسم فكرية مشتركة والاتفاق في الرأي يفسد للود كل قضية.

ومن الثابت أن استنباط أحكام القرآن لا يتم باجتزاء الآيات من سياقها ولا بفحص آية معمليًا بمعزل عن بقية الآيات المرتبطة بنفس المعنى، فالقرآن الكريم يؤخذ ويعالج ويُتعاطى معه كجملة واحدة وتجمع كل الآيات المتعلقة بقضية ما وتفحص جميعًا كي نستنبط حكمًا أو قاعدة ما.

 

من الثابت أيضًا أن فهم القرآن مقرون بفهم اللغة العربية بنحوها وصرفها وفهم التاريخ من قصص الأولين وخلاف ذلك بالإضافة لأسباب النزول.

(1) ما المقصود بـ”الإسلام” في الآية؟

 

هل هو الإسلام بمعناه الدارج، أي ما أتى به محمد (صلى الله عليه وسلم) من أركان خمسة وتشريعات وعبادات إلخ؟

 

هذا ما يعتقده الطرفان بالفعل وهذا هو الفهم المغلوط في رأيي ورأي الكثيرين غيري، والسبب بسيط، إن كان هذا هو المقصود، وهذا هو المقصود دائمًا في القرآن من مصطلح “إسلام” فبماذا نفسر قول الحواريين لعيسى بن مريم “فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون” ؟؟

وماذا تقصد بلقيس ملكة سبأ بالإسلام في قولها لسليمان “قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين” ؟؟

ولماذا استخدم فرعون اللفظ ذاته حال وفاته “وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين” ؟؟

ولكي نقرب المعنى اقرأ قول الله تعالى على لسان إبراهيم ويعقوب “ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين، إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين، ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون

هل وضح المعنى الآن ؟

الإسلام عزيزي القارئ هو الانقياد والخضوع والإذعان والاستسلام و الامتثال لأمر الآمر ونهيه بلا اعتراض، وإخلاص العبادة له سبحانه وتصديق خبره والإيمان به. وهو دعوى الأنبياء كلهم أجمعين وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. لماذا أهملت كل الآيات التي ذكر فيها “الإسلام” وتشدقنا بهذه الآية خصوصًا، هل علمت الآن أن الاجتزاء والجهل وسوء النية من أركان الضلال؟

 

(2)

“ومن يبتغِ”: الابتغاء مناطه الاختيار، والاختيار يقتضي توافر معطيات الاختيار، فالمقصود هنا هو الاختيار الحر الواعي، بمعنى أن يختار أحد غير “الإيمان” بالله برغم تيقنه من أنه الحق. والدليل على ذلك الكثير الوافي الشافي من الآيات في القرآن الكريم على نحو:

“وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ”

 

“وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَة مِنْ آيَات رَبّهمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ”

“فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ”

فصلت هذا وغيره في الفيديو التالي

فالتكليف هنا تكليف عقلي وهو مرهون بالعديد من المعطيات ومنها الاستيعاب العقلي والبيئة المحيطة إلخ.

 

(3)

وكما أسلفت فإن أسباب نزول الآيات تدخل ضمن المعطيات الضرورية للفهم الصحيح للقرآن فهو يوضح السياق الذي نزلت فيه الآيات ويفهم منه ما إذا كانت الآيات تقر قاعدة عامة أم خاصة محكومة بالزمان والمكان إلخ.

 

وللمفاجأة فإن هذه الآية نزلت مخاطبة المسلمين (أو من يفترض فيهم الإسلام) وليس في الكفار أو أهل الكتاب. فالقصة أن جماعة من اليهود أتوا النبي (صلى الله عليه وسلم) وأعلنوا إسلامهم وقالوا: “نحن المسلمون” فأنزل الله “ولله على الناس حج البيت” فأمرهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بالحج فاستنكفوا ورغبوا عنه وظهر انسلاخهم من الإسلام (أي من الاستسلام لأوامر الله) فأنزل الله فيهم “ومن يبتغِ غير الإسلام دينًا…” الآية

ونخلص من هذا إلى نتيجتين: الأولى هو أن هؤلاء الجماعة من اليهود كانوا معاصرين للنبي (صلى الله عليه وسلم) ومعجزاته ورأوا من اليقين ما لم يُتح لمن جاؤوا من بعدهم ودخلوا في الدين اختيارًا (وإلا فربما ظلوا على دينهم كغيرهم من اليهود والنصارى).

 

والثانية أن المقصود هنا من الإسلام هو التسليم لأوامر الله كما أسلفنا فلا يصح أن تؤمن بالله وتتبع نبيه ثم ترد أمر الله على الله من عبادات أو تشريعات أو غيره، بمعنى آخر عليك أن تسلم لله انقيادًا في الأوامر والنواهي وأن تعبد الله على مراد الله وليس على هواك.

هذه ليست محاولة للتفسير وإنما محاولة للتفكير. “رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد