كنت أنت مثل أي موظف جديد، يتملكك القلق والخوف، وتتصنع القوة رغم ما يعتريك من هشاشه نفسية، فهذا يومك الأول في العمل الجديد، تمامًا حالتك تشبه ذاك التلميذ في الصف الأول في اليوم الأول من أي مرحله دراسية جديدة، لديه نظرة مختلفة عن باقي التلاميذ القديمة العهد بهذه المرحلة، نظرة متفحصة، أو ربما متوجسة، أو ربما تحاول جمع أكبر قدر من المعلومات عن المحيط الجديد وتحللها في عقلها، تحاول أخذ انطباعات عن الأشخاص في المكان، ولكنك رغم كل ما تحاول فعله لتجنب الأخطاء، وأخذ الاحتياطات للتصرف الصحيح حيال المواقف الطارئة، ستخطئ، حتمًا ستخطئ، وستبدو أحمق للا أحد، فأنت لا تعلم أن لا أحد يهتم أو يلاحظ ما تفعله، وإن جئت في حديثهم، فلن يستغرق ذلك بضع ثوان، ثم يعودون لحديثهم عن أي شيء، ولكن أنت يا مسكين قضيت الليل تفكر فيما لم يتحدثوا فيه من الأساس، مسكين حقًّا!

وكأنه لا يكفيك همًا واحدًا، فما أن تذهب في اليوم الثاني تجد أن الجميع يتحدثون عن شيء واحد، تمضي الساعات وموضوع الحديث لا يتغير، وأنت لا تفهم فيم يتحدثون، فتذهب لآخرين تجلس معهم لعلك تجد حديثًا غيره، ولكن هيهات، إنه الموضوع نفسه، يبدأ عقلك يعمل قليلًا، لا بد أنه على درجة عالية من الأهمية، وإلا لن يتحدث عنه الجميع طوال الوقت، ولكن عقلك يأبى إلا التأكد، والأيام خير مؤكد، ولكن، على توالي الأيام سيتأكد عقلك من هذا الشك، وستدرك أهمية هذا الموضوع، إنه حديث الناس في الليل وفي النهار، وفي سؤال خبيث ستجد عقلك يسألك: لم لا تهتم مثلهم بهذا الموضوع نفسه؟ إنه موضوع مهم فعلًا، وبعد مسرحية إقناع مزيفة من عقلك ستدرك أهمية الموضوع، والدافع الحقيقي لمثل هذه المسرحية ليس إلا إحساس الراحة المصاحب لكونك تشبه الناس في حديثهم واهتماماتهم.

وإذا طبقنا مثل هذه القصة على جانب الأهداف والنجاح في الحياة، ستجد أنك جئت إلى هذه الحياة كالموظف الجديد، فوجدت أن الجميع يتحدث عن أهمية إثبات الذات، وسطر اسمك في التاريخ، وتغيير العالم، وأهمية الإصرار والصبر في طريقك للنجاح وإلخ إلخ، وكثير من الكلام التحفيزي الذي يريدك أن تنشئ شركة مثل شركة أبل، وأن تدخل كلية الطب لتكون مثل مجدي يعقوب، والكثير من الناجحين الذين تحولوا إلى أصنام ندور حولها دون وعي أو تفكير، فتخرج للحياة وعقلك مشبع بمعايير مجهزة لم تفكر أنت فيها، فالجميع يقول هذا! لا بد وأن هذا مهم.

ولكن تمهل عزيزي! قبل أن تفكر في إثبات ذاتك على طريقتهم، فكر هل هذه هي ذاتك الحقيقة؟ أم أنك مجرد انعكاس لما أراده الآخرون؟ وهل ما أراه من الإعلام والتلفاز والسوشيال ميديا والبيئة المحيطة هي الطريقة الصحيحة لإثبات الذات؟ هل واجب عليك أن تثبت ذاتك من الأساس؟ هل يجب أن تغير وجه العالم؟ ألا يكفي أن تطعم جائعًا مثلًا؟! أو تصنع معروفًا مع شخص غريب لا تعرفه؟! أو تزرع فسيلة في أرض جرداء؟! كيف تحكم بالنجاح العظيم لمن أسس شركة، وبالنجاح البسيط لمن ألهم الآخرين النجاح أو أخرجهم من أزمة نفسية؟ من أين استقيت تلك المعايير؟ على الأرجح من الإعلام والسوشيال ميديا، التي هي في الأغلب تتميز بالطابع الغربي المادي البحت الذي ينظر للإنسان على أنه مادة، وما غير ذلك من جوانب في الإنسان فهو مهمش بالنسبة للغرب، فكيف تأخذ تلك المعايير وتطبقها على حياتك وتسعى لإثبات ذاتك بها؟! سأخبرك بشيء ما، إن أردت أن تدخل حربًا في حياتك فلتكن حربك حرب معرفة ذات وبحث عنها، إنك إن عرفت نفسك حقًّا؛ فلن تدخل حرب إثبات ذات بمعايير الآخرين التي هي متغيرة وقاصرة، في النهاية عدني أن حربك في الحياة «لن تكون حرب إثبات ذات»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد