«إياك و الغرور». رحم اللهُ أبي، لا أذكر نصيحة كررها لي أكثر من هذه، و لا أظنه كان الوحيد بين آبائنا. رحم الله أيضًا أساتذتنا ومدرسينا ووعاظ الدين الذين زرعوا في عقولنا كيف كان الغرور هو الخطيئة الأولى التي بدأت معها قصة الدنيا حين رفض إبليس السجود لآدم.

يمر من أعمارنا ما يمر ومن المفاهيم ما تتكاسل عقولنا عن التساؤل في دقتها، حتى تأتي (عند البعض) مرحلة التفكر، فنتمهل في التسليم بها ونراجع الفهم الشائع لها بما اكتسبته عقولنا من نضج وشخصياتنا من خبرات الحياة المتراكمة، فنبدأ في ممارسة فريضة التدبر في القرآن بعد أن اقتصرت علاقتنا به على التلاوة وتلقي التفسير لسنين طويلة.

وجدت أن من هذه المفاهيم فكرة الخطيئة الأولى وما يتفق عليه الأغلبية أنها الغرور أو الكبر. وعملًا بالأمر الإلهي في العديد من آيات القرآن، ومنها سورة محمد – الآية ٢٤: «أفلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا»، وسورة ص – الآية ٢٩: «كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ»، فقد تدبرت في تسلسل أحداث تلك المرحلة التي بدأت بها حياتنا على هذه الأرض، فوجدت شيئًا لافتًا للنظر وداعيًا للتفكر. فبعد خلق آدم وتعليمه الأسماء كلها جاء أمر عظيم، فقد أراد الله أن يعلم الإنسان مكانته في الكون، فأخبرنا الله بهذا في عدة مواضع من القرآن، ومنها الآية الحادية عشرة من سورة الأعراف:

«وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ»، وقد كان الملائكة هم أفضل خلق الله قبل أن يخلق آدم، فكان في هذا الأمر رسالة لآدم بأنه أفضل من الملائكة، وإلا لما أمرهم الله بالسجود له. بالطبع كانت معصية إبليس خطيئة، وكان منبعها الكبر والغرور، وتلك – لا شك – خطيئة عظيمة، ولكنها خطيئة إبليس لا آدم!

ثم تمضي القصة كما نعرفها، و كما وردت أيضًا في العديد من المواضع و منها نفس السورة – الأعراف – في الآية ٢٠: «فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ».

أمر عجيب! السبب الذي أغوي به الإنسان وعصى أمر ربه هو أن يكون ملكًا، بالرغم من الرسالة الواضحة في سجود الملائكة لك أنك أفضل منهم، إلا أنك تصاغرت ولم تتناسب فعلتك مع هذه المكانة!

أي أن خطيئة الإنسان الأولى لم تكن الغرور (أنا أفضل منه)، بل كانت عكس ذلك (أنا لست جيدًا بما يكفي)!

استمرت هذه الفكرة في الإلحاح على عقلي، ثم بدت أكثر وضوحًا عندما انتقلت منذ سنوات للعيش في إحدى دول أوروبا. و بعد فترة أولى يعيشها معظم المهاجرين غربًا خفتت حدة الانبهار المعتاد وبدأ عقلي يأخذ الزمام من جديد. وجدت أن الحضارة الغربية ليس بها شيء معجز، ولكنها تتفوق بسبب عدد محدود من المفاهيم الراسخة في الثقافة الغربية التي للأسف لا توجد في ثقافتنا الشرق أوسطية الحالية. من هذه المفاهيم الثقة بالنفس أو self esteem، وهي مشكلة سيخبرك عنها – إن سألته – أي مهاجر من منطقتنا إلى أوروبا أو أمريكا، وتبدو أكثر وضوحًا عند المشتغلين في المهن العلمية وأيضًا في المجالات التنافسية.

ربط عقلي بين إلحاح المربين والمعلمين في ثقافتنا على قتل الغرور عند النشء، وتلك لا شك نية طيبة، ولكن المبالغة فيها وربطها بالخطيئة الأولى، أحيانًا بحسن نية، وأحيانًا أخرى لترسيخ الخضوع للطغيان، أنتجت شخصية يغلب عليها الضعف واهتزاز الثقة. ربط عقلي بين ذلك وبين تلك الثقة التي نراها عند أصحاب الثقافة الغربية الذين تحرروا من فكرة الخطيئة الأولى عندما تحرروا من الدين، وطبقوا – دون قصد – الغاية التي أرادها الله عندما خلق أفضل مخلوقاته!

نحن لا نحتاج مثلهم إلى التحرر من الدين، بل نحتاج أن نتدبره أكثر. أما التحرر الذي نحتاجه فهو التحرر من تقديس ما ليس مقدسًا من أقوال وأفعال آبائنا ومجتمعاتنا.

عفوًا يا أبي، أنا لست مغرورًا، ولكني بالفعل أفضل ما خلق الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد