إذا نظرنا جيدا إلى الوضع المصري سنجد أننا لسنا بحاجة إلى منظمات الرصد الدولية لنصارح أنفسنا أن الدولة قد سقطت فعليًا. ويمكننا التأكد من ذلك إذا نظرنا إلى وجوه المصريين في الشوارع وفي المستشفيات وفي الأسواق وأمام محلات الأجهزة المنزلية.

نستطيع أن نعترف أن مصر هي دولة فاشلة ذات مؤسسات مهلهلة يتربع الفساد في كل ركن من أركانها.

لا أريد أن أقول إن هذا الوقت هو الفرصة الأخيرة لأن الفرص لا تنتهي، ولكني أستطيع أن أجزم أن ما يتم خسارته بسهولة من الصعب استرداده، بل في بعض الأحيان يكون من المستحيل استرداده، ولنا في الأراضي الفلسطينية عبرة!

ليس هذا وقت للهوامش والديباجات التي تعظم من المصري. فلابد من التحرك السريع لأن الهوة بيننا وبين العالم تتسع يوميًا، ففي الوقت الذي استقل فيه العالم قطار المستقبل، ننتظر نحن أمام محطة الماضي حتى تعفنا في أماكننا، وأصبحنا بجهلنا وفسادنا مزحة للعالم المتحضر.

سأقدم الآن دراسة بسيطة عن وضع الدولة الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية وخطوات التحول الديموقراطي والإصلاح السياسي التي قاموا بها.

في عام 1945، كان الاقتصاد الإيطالي في حالة يرثى لها. وكان القطاع الصناعي هو أقل المتضررين، فقد تم تدمير 20% فقط من القدرة الإنتاجية. ولكن القطاع الزراعي كان متضررا جدا, 60% مقارنة بعام 1938، بينما تم فقد ¾ من الثروة الحيوانية.

بمعنى أصح كان الوضع الغذائي كارثيًا (معدل الشخص أقل من النصف مقارنة بـ 1938)، أي بدون مساعدات الولايات المتحدة ما كان لينجو الشعب الإيطالي. كما وجدت مشكلة التضخم الخرافي؛ فقد زاد سعر الاستهلاك 18 مرة في غضون 6 سنوات فقط (دمر الاحتياطي النقدي للشعب). أما بالنسبة للبنية التحتية فقد كانت مدمرة تمامًا. طرق وكباري وسكك حديد غير قابلة للإستخدام وانعكس ذلك على حركة التجارة. كما كان الوضع كارثيًا فيما يخص المباني السكنية، ما يقرب من 3 مليون غرفة تضررت بصورة كبيرة أو تم تدميرها تمامًا مما أجبر الكثيرين على اتخاذ المخيمات والمدارس مأوى.

كانت الدولة في حالة فوضى وكان الانفلات الامني على أشده:

– امتلاك الكثيرين للأسلحة وتصفية الحسابات مع الفاشيين (في نهاية الحرب العالمية كان يوجد مايشبه الحرب الأهلية).

– سيطرة المزارعين على الكثير من أراضي الإقطاعيين (وضع يد).

– النشاط القوي للمافيا، ونشأة ما يشبه جيش غير شرعي في صقلية.

– التمايز والتباعد بين الشمال والجنوب، مع هبوط حاد في معنويات الشعب الإيطالي.

كانت إيطاليا دولة منهزمة مدمرة، وكان من الصعب رؤية ابتسامة وسط بيئة دامعة حزينة….. الكل تقريبًا فقد إنسانًا عزيزًا عليه، أو يعيش بجوار إنسان عاجز ينتظر موته بأسى بسبب الحرب.

الكل قرر أن تكون هذه الحرب هي آخر الحروب. وأن الوطن هو بيت كبير يضم الجميع وعليهم العيش معا بسلام وهذا ما انعكس على نسبة المشاركة السياسية في عملية التحول الديموقراطي، فوجدنا أحزابًا تكونت تخطى عدد أعضائها مئات الآلاف في شهور قليلة. ونستطيع أن نلقي نظرة على الأحزاب السياسية في ذاك الوقت:

تكون الكثير من الأحزاب والائتلافات والحركات، كان أهمهم ثلاثة أحزاب لجماهيريتهم الواسعة mass party.

– الحزب الإشتراكي (وسط-يسار):

أعتمد بشكل أساسي على العمال، كما أننا لا نهمل القاعدة العريضة لزعيمه «بيترو نيني». وكان هناك توجهان بالحزب: الأول يتجه بقوة نحو الوسط والثاني يتجه نحو اليسار (الحزب الشيوعي).

– الحزب الشيوعي (اليسار):

وكان زعيمه السياسي القوي تولياتي. واكتسب هذا الحزب الكثير من الشرعية والجماهيرية لنضاله المسلح ضد القوات الفاشية، ووصل أعضاء هذا الحزب في صيف 45 إلى مليون عضو، وبعدها بعام واحد تخطى 1700000 عضو. وحاول هذا الحزب أن يضم طبقة المزارعين إليه بجوار طبقة العمال. كما كان من المعروف علاقة الحزب القوية بالاتحاد السوفييتي.

– الحزب الديموقراطي المسيحي (الوسط):

الحزب الذي حكم إيطاليا حتى قيام الجمهورية الثانية «بداية التسعينات». وهو الحزب الوحيد الذي أثبت أنه يمتلك من الجماهيرية ما يضاهي بها شعبية كل من الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي. وكان زعيمه «دي جاسبري» (عضو سابق في البرلمان النمساوي) شخصية ذات شعبية كبيرة. وكان أعضاء هذا الحزب من طبقة المزارعين ومن الطبقة البرجوازية الصغيرة. كما كان يحوز على دعم قوي من الكنيسة.

أحزاب أخرى أصغر:

– الحزب الليبرالي (وسط-يمين): لم يكن ذا شعبية كبيرة، وكان أعضاؤه من الإقطاعيين والصناعيين الكبار.

– الحزب الجمهوري: وكان مبدأه الأساسي هو قيام الجمهورية وعدم العودة إلى الملكية.

– حزب الفعل: لم يكن ذا شعبية وكان أعضاؤه من المفكرين ومن الأشخاص الذين اشتهروا بعداوتهم القوية للفاشية. (وسط-يمين)

– أحزاب اليمين:

– الفاشيين.

– الملكيين.

بعد معركة شرسة بين الحزب الديموقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي تم الاتفاق على حكومة يرأسها شخص له «برستيج» قوي على المستوى الشخصي من حزب ليس له شعبية، وكان هذا الشخص هو «فاري»، زعيم «حزب الفعل». وقام فاري بتكوين حكومة ائتلافية ذات أهداف مشتركة وهي:

– قانون التطهير (من الفاشيين) وهو قانون يشبه قانون إفساد الحياة السياسية، ويمكننا عمل دراسة مفصلة لهذا القانون.

– إنعاش الشركات الصغيرة والمتوسطة على حساب الشركات الكبيرة.

ولكن بعد وقت قليل «نوفمبر 45» تم سحب الثقة من الحكومة، وقام «دي جاسبري» (الحزب الديموقراطي المسيحي) بتزعم حكومة ائتلافية كان «تولياتي» (الزعيم الشيوعي) هو وزير العدل فيها.

وأراد تولياتي إطلاق حملة عفو شامل عن الفاشيين؛ بسبب تغلغلهم في كل مفاصل الدولة، ولكنه تراجع حفاظًا على تماسك الحكومة ونجاح الائتلاف بعد كثير من الاحتجاجات.

– 2 يونيو (حزيران) 46 كان على الشعب الاختيار بين النظام الجمهوري والنظام الملكي، وكانت نسبة المشاركة 90% «نسبة قياسية» وقد اختار الشعب الإيطالي النظام الجمهوري. أما بالنسبة للجمعية التأسيسية فقد حاز الحزب الديموقراطي المسيحي على 35,2% وجاء بعده اليسار 20,7% ثم حصول كل الائتلافات على نسب بسيطة.

ثم حدث الكثير من الاختلافات والاتفاقات «شغل سياسة». ولكن كان دي جاسبري دائمًا على رأس الحكومة حتى عام 53.

واستمر عمل الجمعية التأسيسية عام ونصف تقريبًا حتى تم الموافقة عليه ودخل في حيز التنفيذ 1/1/1948.

– لم يكن لإيطاليا أن تنجو من مجاعة طاحنة بدون المساعدات الغذائية من الولايات المتحدة، ولم يكن لاقتصادها أن ينهض بدون مشروع مارشال، بغض النظر عن أهداف الولايات المتحدة من ورائه. وكما نرى جميعًا حالة الاقتصاد المصري. وأعتقد أننا نحتاج إلى المساعدة، ولا يمكننا الاعتماد على الخليج إذا استطعنا أن نزيح الحكم العسكري، وذلك للأسباب التالية:

1- تتعارض سياسات الخليج مع سياسة دولة ليبرالية ديموقراطية تحترم مواطنيها في المنطقة.

2- لن نستكمل سياسات السيسي. ولن نتدخل مجددًا في دولة عربية. ويجب إبعاد الجيش المصري عن أي صراع إقليمي.

3- حتى لو أردنا المساعدة من الخليج فلن نحصل على مساعدة كبيرة في ظل أسعار البترول الحالية والعلاقات التي تباعدت وتوترت بين مصر والسعودية في الآونة الأخيرة.

هل نحن في حاجة إلى مشروع مارشال غربي؟

ولكن لماذا سيساعدنا الغرب؟ للإجابة على هذا السؤال يجب علينا طرح سؤال آخر وهو: لماذا يتغاضى الغرب عن انتهاكات حقوق الإنسان بمصر؟ بل إنه تم انتخاب مصر عضوًا بلجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. لماذا يهمل الغرب موضوع التحول الديموقراطي في الشرق الأوسط؟ والإجابة هي أن قضية مكافحة الإرهاب فرضت نفسها على المجتمع الدولي، وخصوصًا بعد العمليات الإرهابية داخل أوروبا.

السيسي يظهر نفسه للمجتمع الدولي أنه يبذل ما بوسعه لمحاربة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، وارجعوا إلى حديث السيسي في الأمم المتحدة الذي أبرز فيه  الدور المصري في إيواء 500 ألف سوري، كما تذكروا تعامل الإعلام الممنهج مع كارثة المركب التي غرقت في رشيد وعليها المئات من الشباب المصري، بالإضافة إلى مساعدات السيسي العسكرية واللوجستية لـ«خليفة حفتر» الذي ذادت أهميته تفاوضيًا بعد سيطرته على منطقة الهلال النفطي.

ولكن الغرب ليس ساذجًا مثلنا، فهو يعلم أن ما يقوم به السيسي ماهو إلا نوع من المسكنات ويعلم أن سياسات السيسي الاقتصادية والأمنية هي سياسات فاشلة تأخذ مصر والمنطقة العربية للمجهول. الغرب اعتبر أن 30 يوليو انقلابًا، وأتذكر أن أساتذتي قالوا لي «اتركوا الانتخابات لتكون هي الفيصل، وستنمو الديموقراطية شيئا فشيئًا».

الغرب يريد البديل الذي يضمن استقرار البلاد، وسيؤيد أية حكومة تقوم على المصالحة الوطنية وتضم جميع الأطياف والأيدولوجيات، وعلى رأسها التيار الإسلامي، يمكننا أخذ تونس كنموذج. شئنا أم أبينا، فإن التيار الإسلامي موجود وسيكون موجود دائمًا، ويمثل كتلة انتخابية كبيرة ومنظمة، وأتمنى أن يكون قد تعلم في هذه الفترة الصعبة قيم المشاركة والتواضع، لأنه بدون استيعاب هذا الدرس فإنه سيدخلنا من جديد في دوائر مفرغة لن نخرج منها سوى بخيبات جديدة. وفي الوقت نفسه أكرر أنه لا يمكننا القضاء عليه، ومشاركته في العلن أفضل من عمله في الخفاء. كما أن التطرف الديني يتناسب تناسبا طرديا مع الفقر والبطالة. إذن فنحن بحاجة إلى مصالحة وطنية سياسية شاملة.

فتولياتي زعيم الحزب الشيوعي (الحزب الذي استقى شرعيته من نضاله المسلح ضد الفاشيين) رغب بعمل عملية عفو شامل عن الفاشيين عندما كان وزيرًا للعدل!                                                                                وكان تولياتي زعيمًا شعبيًا محنكًا وذا «كاريزما»، ولم يكن ساذجًا أو تافهًا. ولكنه يعلم أن العمل السياسي بمسئوليته يختلف عن العمل الثوري برومانسيته.

والسؤال هنا: هل فعل الإخوان بالشعب المصري ما فعله الفاشيون بالشعب الإيطالي؟

لا يهمني إذا كان الآخر يفكر كما أفكر، ولكن يهمني أن يكون الآخر مجبرًا على تقبل الاختلاف. أو بمعنى أصح، تقبل الجميع لفكرة دولة القانون، والخضوع لأحكام الدستور فقط. فلو كل فصيل سياسي في إيطاليا بعد الحرب قد قام بعمل دستور خاص به، يحمل أفكاره، لوجدنا العديد من الدساتير. فإيطاليا كانت تضم الملكيين والجمهوريين، الشيوعيين والليبراليين، العلمانيين والمرتبطين بالكنيسة وكذلك الفاشيين. وإلى الآن فإن الفاشيين موجودون في إيطاليا، والنازيين موجودون في ألمانيا، ولكن الفكرة تتمحور حول دور الدستور والعدالة في تنفيذ القانون.

2- كان هناك الكثير من المناقشات حول أننا يمكننا الاستغناء عن فكرة البديل الشخصي إذا امتلكنا مشروعًا قوميًا قويًا، ومع اتفاقي الكامل حول فكرة المشروع الذي يمثل رؤية للدولة، إلا أنني لا أريد أن نقلل من فكرة القائد. نحن لا نعيش في الولايات المتحدة التي بها التوجه السياسي بين جمهوري وديموقراطي، ولكننا نعيش في دولة زراعية، يلجأ بها الملايين إلي عمدة القرية أو شيخ البلد لحل المشكلات! كما أننا نجد أن إيطاليا بعد الحرب ارتبط كل حزب بها بإسم زعيم نجح بكسب ثقة المواطن (دي جاسبري-الحزب الديموقراطي المسيحي) (بيترو نيني-الحزب الاشتراكي) (تولياتي-الحزب الشيوعي). ولذا أرى أن من الضروري صناعة قادة وإعدادهم للمرحلة القادمة.

وفي النهاية أحب أن أقول هل فعلا نحن نشعر بحجم الكارثة التي نعيشها؟ هل نلاحظ أن مع الوضع الحالي للعملة الوطنية سيتحول الفقراء لقنابل موقوتة من أجل إطعام أطفالهم وستتلاشى بمرور الوقت الطبقة المتوسطة عماد المجتمع؟ هل تعلمون أننا سنفقد ثقتنا في البناء و ستنخفض معنوياتنا للدرجة التي سنصبح فيها شعبا بلا شرف وبلا كرامة؟ هل تعلمون أنها فرصتنا الأخيرة وأننا كلنا شركاء في مسؤولية انتهازها وإلا ستسطر أسماؤنا جميعا في مزبلة التاريخ؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المصالحة
عرض التعليقات
تحميل المزيد