ليس سهلًا أن تنتمي لبلد منكوب أو تكون جزءًا من شعب يعيش تغريبة وشتاتًا. أن تحمل في قلبك وعقلك ذاكرة مختلفة ونظام تشغيل منفصلًا عن الواقع أينما حللت.

الأمر سيتخطّى غالبًا قدرتك على التحمّل. هو أشبه بالاختبار الذي يجريه الشرطيّ لسائق يشكّ بأنّه مخمور. تسير على خطّ مستقيم كأبله ويداك ممدودتان على جانبيك. سيبدو منظرك مضحكًا نوعًا ما للمارّة. إنّه كذلك تقريبًا، لكن بدون الضحك.

ستسير “هنا” في الشوارع النظيفة، وتتذكر “هناك” شوارع بلدك المتسخة مثلًا؟! لا، ليس هذا أبدًا.

ستشاهد الأبنية الشاهقة ودمار بلادك يلوح أمام ناظرَيك. ستستمع “هنا” لحكايات الناس المحيطين ولهمومهم حول الدراسة والعمل أو حتى كيفية قضاء عطلة نهاية الأسبوع.

سيكون وقع هذه الأحاديث غريبًا جدًا عليك، وأنت قد تصفحت لتوّك أخبار “كراجات المشنططين”* وقرأت بعناية كيف يشرح شابّ أنسب المعدّات خلال رحلة هروبه عبر البحر إلى أوروبا، ونقاشًا آخر عن خرائط وطرق فرعيّة للسير بين الغابات والهرب من الجيش والشرطة في هنغاريا ومقدونيا، وستتابع بعض الفيديوهات عن غرق البعض، ضياع البعض، ووصول البعض الآخر. ستشاهد كلّ هذا، ثم تغلق حاسوبك وتغادر إلى يومك المعتاد، لتشاهد صنف “البشر الطبيعيّين”.

سيغدو الفيسبوك صديقك الصّدوق ونافذتك الوحيدة التي تربطك بـِ”هناك” وكل ما تعرف من “هناكات” أخرى مبعثرة حول العالم، بأهلك وأصدقائك وجيرانك وكلّ العلاقات التي قضيتَ تبنيها سنينَ طويلة.

سيصبح هو وطنَك وملاذَك الذي يحقّ لك دخوله بلا تأشيرة ولا قيود، ولا ذلّ بطبيعة الحال – ولو افتراضيًا ونسبيًا -.

ستضحك معه، ستبكي معه، وستكرهه كثيرًا.

فيه ستتمسّك بتوثيق إنسانيّتك وخاصّة لحظاتك الساذجة في محاولة أن تبقى ذلك الشخص الحقيقيّ الموجود في الأذهان، بضعفه وقوّته وسخفه، والأهمّ بتغيّره الهائل مع الأيام.

قبل أن تنام، ستتصفّح صور آخر مجزرة حصلت “هناك”، ستتأمّل الوجوه المتعبة بعناية شديدة وتمسح بيدك آثار الدّماء عن وجه طفل سقط “هناك” مع دمع يرفض السقوط من عينيك “هنا”.

تغلق حاسوبك، تنام وأنت تطلب من عقلك ألا يحلم بالموت والدماء هذه المرة. فيستجيب لك، ويبقى حلمك فارغًا أبيض كغبار بناءٍ دمّرته الحرب.

تستيقظ بأمل جديد، أنا اليوم سأكون أكثر قدرة على التأقلم والاندماج، فلا جدوى من الكآبة. ستصطدم في المصعد بإعلان لقطع الكهرباء في منزلك بعد أسبوع لمدة ثلاث ساعات مع اعتذار شديد. ستتجاهله تمامًا وأنت تتذكر حديثك المبتور دائمًا مع “هناك” بسبب تكرار الجمل المعتادة عن انقطاع الكهرباء (انقطعت الضربانة وإجت الضربانة).

صباح مجزرة “هناك”، ستسير في الشوارع النظيفة نفسها “هنا”، لكنك ستستنشق معها نفس رائحة الدم التي أزكمت أنفك وأوجعت عينك ليلة الأمس مع كل صورة من “هناك”.

سترفع رأسك، لتشاهد السماء الكالحة، ستشعر بنفس الانقباض الذي طالما شعرته في صباحاتك بدمشق بعد كل مجزرة. ستأخذ نفسًا عميقا وتنطلق. تختلط بأناس جدد وعوالم متنوعة، أنت اليوم أقل شكوى… ولكن الذاكرة تأبى بلؤم أن تفارقك.

سيتم سؤالك كثيرًا عن بلدك، “أوه سيريا” ويأتي الجواب بنفس الأحرف دائمًا مع تعاطف يقل ويكثر.
ستجيب بابتسامة جريحة وتتراكض الصور في مخيلتك عن “هناك”. أما “هنا”، فستكتفي بهز رأسك إيجابًا وتحتفظ بكل الأجوبة الأخرى لنفسك.

أنت بحاجة لأن يرى محدثك جروح قلبك وأن تخترق عيناه جدار جمجمتك لتطبطب على آلام محشورة في رأسك، لكنه لن يفعل.

لن يسألك عن أسماء من ماتوا “هناك”، عن أحلامهم، عن حنين أمهاتهم لهم.

لن يسألك عن معنى الفقد وكوابيس المجازر ووحشة الأقبية.

لن يدرك معنى ابتسامات الغائبين أبدًا.

لن يفهم ما تعنيه غربة زوجة تنتظر المجهول وزوجها، أو حرقة عبارة “ذهب ولم يعد” وشهادة وفاة بلا وداع أخير.

سيتجاهل كلّ هذا غالبًا، سيتخطّاه إلى حديثٍ آخر تمامًا، فلا أحد يحبّ الخوض في الكلام عن الحروب والموت.
الحرب معدية وأنت مريض بها اليوم. سيخاف أن يصاب بعدواها.

أنت كمريض الجذام، أسهل الحلول هو أن يتم حجر مرضك داخلك.

قد يكتفي السائل بالحديث عن داعش، الوحش البعيد “هناك” هو وحده المثير للفضول بسمعته السينمائية.

ولكن…
سيصدف أن تسألك إحدى السيّدات عن بلدك، وتنهمر دموعها عند سماع العبارة السّحريّة “أنا من سوريا!”
سيجبرك دمعها على الإفصاح عن ألمك علنًا، وستقابل بلا خيار بكاءَها الدافئ ببكاء حبستَه طويلًا. ستطلب منها الدّعاء لبلدك في محاولة منك لإنهاء الحديث والهرب من دموعك. ستردّ بأنها تفعل، وأنها فعلتْ كثيرًا للصبيّ السوريّ الذي شاهدتْه يحمي أخته من القنص على “اليوتيوب” في الليلة الفائتة.

ستشكرها بمرارة، وأنت تخفي في قلبك أنّ ما تعاطفتْ معه لم يكن إلّا فيلمًا تمثيليًّا، وأنّك تعرف الكثير من القصص الحقيقية التي إذا رويتها لها، فلن يكفيها ماء الأرض بكاء.

ستقبّل رأسها، وتمضي في طريقك.

إلى يوم جديد، تفتح فيه حاسوبك وتغلقه، وتعيش معلقًا لا “هنا” ولا “هناك”.

* كراجات المشنططين: مجموعة سورية على “الفيسبوك” تجمع آلاف السوريين الحالمين بحياة آمنة وتضم الكثير من التفاصيل اليومية عن رحلات التهريب عبر البر والبحر إلى أوروبا، الناجحة منها والفاشلة، بدءًا من نداءات استغاثة الغرق وحتى فضح حيل المهربين.

 

اللوحة للفنان: فارس خاشوق

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد