بقلم/ د.علي شنن

لحظة أيها القارئ، ففي هذا المقال قد تتعدى كلماتي ما سلبته مني شكواتي، وقد أحمل من معاني ما قد يقتل في النفوس أي مصدرٍ للأماني، وقد تجدني أتجرد في رسم حروفي من إنسانيتي ومن قيمي ومعتقداتي، وهذا كله ليس لأنني أحببت ذلك أو كان لي الخيار في غيره؛ بل لأنني سيّرت من قدرٍ شاء أن أكتب هذا من فوق أكثر بقعةٍ تتعرض للظلم والظلام والتفتيت والاضطهاد في العالم، إنها غزة.

قديمًا، كان مجرد أن يعرف أي شخصٍ في هذا العالم بأنك من غزة كفيلًا بأن يجعلك أكثر أفراد العالم شعورًا بالفخر والعزة لما ستلاقيه من ترحيب وحفاوة واهتمام بالغ من ذلك الشخص، فغزة لم تكن مجرد بقعة جغرافية بالكاد تلاحظها العين المجردة على خريطة العالم، أو ركنًا تاريخيًّا شارك أركان أخرى في رسم معالم فلسطين جغرافيًّا وحمل إرثها.

لقد كانت غزة ذلك المعلم الذي يشار إليه عند ذكر مواطن الصمود والتصدي للأعداء، وقهر المحتل ودحر جيوشه، وتسطير وصناعة المواقف البطولية والانتصارات الفدائية، إلى جانب المنافسة والتسابق في تقديم الأرواح والأنفس في سبيل الأرض والوطن، وكان هذا ما يتم قراءته في أعين الشعوب الأخرى عند مقابلتهم لأي فرد من أفراد غزة، واستمر ذلك إلى حين.

أما الآن، تعد غزة الطريق الأقصر والأسهل للفوز في البرامج الانتخابية لزعماء الدول الأجنبية وكذلك العربية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أصبح الميزان الذي تقاس به إنجازات الأحزاب الصهيونية في إسرائيل هو نسبة الأرواح الفلسطينية التي قد أزهقها الحزب، وكمية الضربات التي وجهها مرشح ذلك الحزب لغزة من صواريخ وقذائف، فأصبح معيار الفوز في الانتخابات الإسرائيلية هو الأهداف البشرية والجغرافية الفلسطينية، وبهذا فإنه من غنم أهدافًا أكثر وحاصر أكثر وقتل أكثر، فهو الأكثر حظًّا في جمع أصوات الناخبين والأقرب للفوز.

بالمقابل؛ من يلعب دور المنقذ للشعب الفلسطيني – خصوصًا شعب غزة – من غطرسة الاحتلال وظلمه، وذلك من خلال تقديم المساعدات وتخفيف الحصار، ومعالجة الجرحى، وإقامة المشروعات التشغيلية، وغير ذلك من صور تمثيلية للظهور أمام شعبه ومجتمعه بهيئة «الرجل المثالي»، أو كأنه عمر بن الخطاب، أو «آخر مسلمي هذا العصر»، كما نراه يحدث الآن لدى بعض زعماء الدول الشرقية والغربية، كطريقة مثمرة ومضمونة للنجاح في جولة رئاسية أخرى.

والغريب في هذا أن هذه الأدوار تكون مكتوبة مسبقًا ضمن سيناريوهات واستراتيجيات وضعها خبراء ومخططون صهيوأمريكيون لضمان استمراريتهم في التحكم بحركة عجلة تلك البلاد من جانب، وضمان ركوع وخنوع ورجوع الحالة الفلسطينية من جانب آخر.

لن أتحدث هنا عن ما مرت به غزة مؤخرًا من انقسام وحروب وحصار وحرمان قاتل من كافة مقومات الحياة، ولن أتوجه باللوم على أحد، كما لن أتهم أحدًا بأنه السبب، فكل ذلك بات نافقًا متأخرًا أمام معاناة أوصلت شعبي لحافة الهاوية وجرتهم للوقوف جميعهم دون استثناء على حافة موتٍ محقق.

نعم موتٍ محقق ينتظرهم، إما من جوعٍ وعطش وغصة قاتلة سيعيشها الجميع أمام العجز الذي سيقابلونه عند عدم تمكنهم من تلبية حاجات أطفالهم الأساسية، أو موتٍ محقق ينتظرهم في إحدى الحروب القادمة والغاشمة، والتي لا يسلم منها لا بشرٍ ولا شجرٍ ولا حجر!

وكأن شعبي في غزة يعيش بين خيارات الموت، فإما أن يختار موتًا بجوعٍ وعطش، وإما أن يختار موتًا من فوهة بندقية عدوه، لا أدري؛ ولكن ما أعلمه جيدًا أن شعبي لن يختار موتًا من فوهة بندقية ابن جلدته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد