أيحدث أن يأتى اليوم الذي تستنكر فيه الروح نفسها؟ تضل وتتوه حتى كأنما أصبح الشخص آخراً لا يتعرف على نفسه! أيمكن للتغيير أن يحمل المرء على أن ينظر في المرآة يومًا ويحدِّث نفسه: أهذا أنت؟ أمتأكدٌ؟ فإن كنتَ أنت، فلِمَ لمْ أعُد أراك؟ لِمَ أرى شخصًا آخر في تصرفاتك وأفكارك وجُلَّ ما تُحدثه من حركات.

كنت أتحدث ذات يوم مع أحدهم عبر إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، وطلبتُ منه النصح أثناء الحديث، كان طلبًا عَرضيًا كما لو كنتَ مع صديقٍ تسأله رأيه، وأنت لا تلقي بالًا إن كان سيفيدُك بحديثه أم لا، ما قاله لى ذاك الشخص أكاد أُجزم بأننى ما تركتُ يومًا من وقتها إلا وفكرت في معنى ما قاله.

قال لي هكذا تمامًا algo que no te recomiendo hacer … perderte … dejas de existir

قال: أنصحك بشيء لا تفعليه أبدًا؟ … أن تفقدي نفسك … أن تصبحي غير موجودة! وتابع: لأنه قد تُعجبك هذه الحال.

توقفت كثيرًا عند مقولته هذي .. هو لم ينصحنى بفعل شيء كما هي عادةُ النصيحة، وإنما نهانى عن فعلٍ آخر، فاستفهمتُ منه: وكيف يمكن أن يعجبني فقدانُ نفسي؟! .. قال: لأنه وقتها سترين العالم بلونٍ باهت، وستلاحظين بأن لا شيء يستحق العناء، ستعجبين بتلك الحالة من اللاشيء، وستفقدين معها حسك الإنساني، ستتحولين كشجرة لا تعبأ بما حولها.

واحد آخر لما شكوت له ذات مرة من تغيُر نفسي عليَّ ، قال لي: لا بأس؛ فالتغير سنة الحياة، حتى جسدك نفسه، كل عضو فيه يتجدد كل فترة، فلِم تنكرين إذن هذا التغير، إذا ما حدث مع ذاتك … فقط عليك أن تتأقلمي معه بما يفيدك.

حسنًا .. ولكن ليس كل تغيُر كغيره … تعلم؟ أحيانًا يصيبك ذاك الإحساس الذي تشعر معه بأنك مستهلك، طاقتك مستنفدة، الضعف والهوان وخوار القوى، لا تستطيع معه المواجهة، ولا تستطيع الابتعاد … تلك الحالة من السأم التي تظل تردد خلالها: أما آن لتلك الفترةِ بأن تمر، ذاك الشعور الذي يجعلك تهربُ من كل شيء … حتى مواجهة القلم، تفشل فيها، تشعر بأنك لا تقوى على مواجهته، تهرب منه كما لو كنت تهرب من شبحٍ في ظلام، حالُك بين تخبطٍ وفزع.

حتى القلمَ يا صاح لم تعد تستطيع أن تعبر به عما بداخلك، تخاف من الكتابة أن تفضح ما لا تجسر على البوح به، تخاف من أن تواجه حقيقتك، تخاف أن تنطقها بصوت أعلى مما يجول بخاطرك، تُفضل أن تظل محبوسة هناك في تلك الغرفة الظلماء … تبعُد قدر جهدك كل يوم عن قلمك، تمضي اليوم وراء الآخر هروبًا من الجلوس معك، وكيف تجلس معك يا مسكين وأنت لم تعُد تتعرف على روحك! تاهت الروح؛ فتخبط العقل من بعدها.

حدثوني أنتم أيحدث ٱن تتوه الروح ونفقدها بكُليتها؟ أيحدث أن يعتري الإنسان ما يغيّرهُ تمامًا عما كان؟ أم أنه لم يكن ذلك الذي كان يدعيه يومًا؟

أكان يخدع الجميع حتى نفسه ويوهمها … أي أنه لم يكن ذك الشخص الذي كان عليه أبدًا.

أيحدث أن نقوم بإضاعة روحنا، ولا نتكبد عناء البحث عنها حتى؟! أم أننا كما قال لى ذاك الشخص يومًا بأنّ فقدها قد أعجبنا!

تعيش في اللاشيء كل يوم، تفعل لا شيء؛ حتى يمر الوقت، وتغفو كل ليلة منتظرًا التى تليها .. حتى إذا ما أتت تلك اللحظة التى تفكر فيها لوهلة:: أظن بأن بي خطبًا ما. يا للعجب، أحسنت يا صاح! الآن أدركتَ بأن هناك خطبًا ما! ما هو يا تُرى؟ تجيب نفسك بأنك لا تعلم .. لا تفكر حتى عن ماذا قد يكون، لا تبحث … فقط تعود مرة أخرى لعالم اللاشيء.

ولكن يأتى بعدها ما لم تعتقد يومًا أنه قد يحدث، تلاحظ بأن مقلتيك قد جفتا! لم تعُد تبكي! نعم يا عزيزي، أهنئك وبشدة لقد أصبحتَ بلا مشاعر، نعم، فلقد انتظرتَ كثيرًا دون مراقبة لهذا الخطب، وتركته حتى نضج، لذا فأهنئك مرة أخرى.

تُبصر نفسك فى مواضع عرفت من قبل أنها تبكيك، ولكنك أصبحت لا تبكي .. أيمكن عندها أن تحزن!

أتعلم ما قد يستحق الحزن فعلًا … محاولاتك من بعدها لتتباكى .. فلا تبكي، جمدتَ يا فتى! يخطر ببالك أول حبة انفرط من بعدها العقد .. نعم هي تلك بذاتها .. هي هي .. أتتذكرها ؟ تلك التي شعرت معها بأن شيئًا ما بداخلك قد حدث.

أتعلم؟ الروح لا تتوه في لحظة يا صديقي، لا لا يحدث هذا بالطبع، لقد نكت القلب قبلها كثيرًا، نُكِتَ؛ حتى ما عاد هناك موضع لنور، فكيف لروح أن تهتدي دون ضوء؟

قد أظلم يا فتى! إي وربي لقد أظلم! وإلا ما تاهت الروح من بعده.

تنتظر الآن مني أن أجود عليك بحل تلك المعضلة، أليس كذلك؟ تريد منى أن أبدأ بسرد ما يمكن فعله للخروج من ذلك التيه والفقدان … حسنًا، ستنتظر كثيرًا.

أنت لم تبحث يا صاح، أنت لم تتكلف عناء نفسك، كيف لي أن أحدِّثكَ بما لم تهتمَ لأمره؟

عوضًا عن أنك تعلم بأن كل تلك الحلول قد استنفدت، استُهلكت في كتاباتٍ عديدة، ألا ترى معي بأن الكتابات التى تنتهي بما يجب علينا فعله قد ابتُذلت.

أنت خير من يعلم بأنك لن تفعل منها شيئًا … مَنْ قال بأنى اكتب كلماتى هذي لأضع يدي على حل لمشكلة، أبدًا وربي، ولا لأُثير مشاعر أحدهم، أتعلم لِمَ أكتب الآن؟ ربما لأزيدك كآبة على كآبتك … بهتانًا على بهتان لونك.

ربما لأقول لك: أوحسبتَ أنك بلالًا أو عمر؟ طمحت بعيدًا يا صاح، خدعت نفسك كثيرًا في كل مرة قلت فيها هذا، أين أنت من بلال وعمر؟

ولكن إن أصررت على ختام لذلك البوح، فدعنى أقل لك، إن رأيت من روحك تيهًا أو ضياعًا خَفَتَ معه ضوء قلبك، وجفت معه عيناك، وما عدت تشعر بعده أبدًا … فالمقابر دليلك، لا، لا لتحدث موتاها، وإنما لتضع حجرًا عليه اسمك. فما بعد موت القلب من حياة.

لا، لن أقول لك: اصمد أو اثبت، أو شيئًا من هذا القبيل، لا تفعلهما أبدًا، فالصمود والثبات لمن يكترث، لا لمن يترك قلبه حتى يُنكت فيه بكل ذاك السواد.

ربما قد أخبرك بسر آخر لم أشأ مشاركته مع أحدهم من قبل: أظن بأن الفراشة قد ماتت يا عزيزي .. لم أعد أرى رفرفاتها كما اعتدتُ دائمًا، لذا إذا ما لمحتها يومًا ترفرف .. أخبرنى عنها وأخبرها بأني قد اشتقت إليها.

أو دعنى أعطك حلًا أفضل من سابقه … امح جُل ما قلته، لا تتعب رأسك يا فتى، يكفي كوبًا من الشاي، واستمر في لا شيئك كما أنت … دع نفسك كما هي حيث راحتها … استمر، استمر، لا عليك من كل ما سبق …أها،شئ آخر.. نسيتُ أن أخبرك: إن لم تشته الشاي فلا بأس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد