ضباب كثيف حول التدخل المصري في ليبيا.

فبين نقص في المعلومات المتاحة تارة، وبين عدم حجية المصادر تارة، وبين تباين بعض المصادر في بعض من التقارير التي تسنى لي الاطلاع عليها عن الداخل الليبي تارة أخرى، أدى هذا بدوره إلى تقديم قراءات مختلفة إلى حد كبير عن الأزمة في ليبيا وطبيعة/ سبب/ جدوى/ أثر تدخل مصر فيها.

ولعل تلك الضبابية هي ما حوّلت اهتمامي في الأيام القليلة السابقة إلى رصد آراء المعسكر المعارض لنظام الحكم في مصر حول الضربة الجوية الأخيرة في ليبيا.

والسبب في اهتمامي بمعسكر المعارضة هو أن به من التباين ما يستدعي الانتباه، وبه من الاختلاف ما يجعل عملية استقصاء الآراء ذات معنى وجدوى. وقد جاءت الرؤى حول التدخل المصري في ليبيا متمثلة في طيف عريض شمل الآتي:

1. يرى البعض أن الضربة الجوية كانت ضرورية ولا غنى عنها، لكنها ليست حلًا نهائيًا، ويختلفون مع توقيتها ومع آلية اتخاذ القرار، خوفًا من تبعاتها.

2. يذهب البعض إلى مساندة النظام في حرب ضد عدو مشترك، بشرط أن تتغير السياسة الداخلية والقمع المنهجي للنظام. ويفرقون بين واجب الدعم لجيش مصر عندما يحارب وبين معارضته عندما يفسد السياسة.

3. يرى البعض أن القصاص واجب، ولكنهم لا يؤيدون أية ضربة جوية، لأن هذا حتمًا سيؤدي إلى سقوط مدنيين. ولو استعانت القيادة العسكرية بعمليات برية تقوم بها قوات خاصة مدعومة باستطلاعات دقيقة، لما لامها أحد.

4. لا يؤيد البعض أي تدخل عسكري، ففيه انتهاك واضح لسيادة دولة أخرى، تمامًا كما لا يرضى أي مصري بضرب الجيش الليبي محافظة مرسى مطروح مثلًا إن ذُبِحَ فيها ليبيون أبرياء؟

5. لا يؤيد البعض أي تدخل عسكري، فهناك قضايا أهم وأدعى للتدخل العسكري من الأزمة الليبية، مثل قضية سد النهضة الأثيوبي والجماعات التكفيرية في سيناء.

6. يرى البعض أنها من الأساس حربٌ بالوكالة، يحارب فيها الجيش المصري بالوكالة عن اللواء حفتر لمساندته وحلفائه على حساب الكتائب الموالية لحكومة طرابلس، مستدلين بأن الضربة الجوية الأخيرة كانت قبلة حياة لحكومة طبرق.

7. يرى البعض أنه طالما على رأس الجيش طاغوت، فكل حروبه طاغوتية بصرف النظر عن الملابسات. ويزيدون أنه لا يمكن لمن يعادي حرية الإنسان وكرامته أن ينتصر في حربه ضد أعداء الحياة. لا يمكن أن نؤيد النظام في حرب لن نستطيع محاسبته على قراراته فيها.

8. وأخيرًا، يرى البعض في التدخل البري للجيش المصري في ليبيا فرصة حقيقية لكثير من الشباب المصري المعارض للنظام لتصفية الحساب وأخذ الثأر في شهداء فض اعتصامي رابعة والنهضة.
وكاتب هذه السطور لا يدعي بأي حال أن النقاط السابقة لا تتقاطع بقدر ما، أو أنها كل الآراء على الساحة، ولكن هي مجرد ما نجحْتُ في حصره خلال الأيام القليلة السابقة، مع تلخيصه في صورة مختزلة، بأكثر ما استطعت من تحرٍّ للدقة في عرض تلك الآراء.

أعتقد أن هامش الاختلاف في الآراء عن هذه القضية، لا يكاد يرى بين المؤيدين للنظام المصري، ولهذا فالأسئلة التي تحملها السطور التالية أتشاركها وأعني بها تحديدًا أصحاب الآراء الموضحة أعلاه. قد يبدو الكثير من الأسئلة التالية استفهامات استنكارية أو تقريرية، لا أنتظر عليها جوابًا أو أؤكد بها حقيقة، ولهذا فمن المهم جدًا أن أؤكد للقارئ الكريم أنها ليست كذلك، وأنها بالفعل مجرد أسئلة، آمل أن أستنفر وأستحث بها رؤية أشمل وأوضح، لنفسي ولمن سيرى في الأسئلة أهمية.

ولنبدأ من موقع الضربة الجوية المصرية في مدينة درنة، التي تشير بعض المصادر [1,2,8,9,10] أن تنظيم الدولة، الذي يتمدد بسرعة وبقوة في ليبيا منذ نوفمبر الماضي، أساسًا موجود فيها، ويحكم سيطرته عليها منذ شهور.

وبرغم أن بعض المصادر مثل [3] تنكر سيطرته في درنة، يظل مجرد تواجده وتنامي قوته في مدينة هي أقرب لمرسى مطروح منها لمدينة سرت تهديدًا سافرًا للدولة المصرية، وهنا يأتي سؤالي الأول.

ثمة عدة تعريفات للحرب بالوكالة [4]، ولكن هل الضربات الاستباقية، خلف حدود منفلتة في دولة بلا دولة، سعيًا وراء تأمين الحدود الغربية لمصر يمكن اعتبارها حربًا بالوكالة، حتى وإن كان هناك مستفيد (من تدخل مصر) بين إحدى القوى المتنازعة على الحكم في ليبيا؟

لنتخيل غياب ذلك المستفيد عن المشهد، هل عدم وجوده سيوقف خطر تمدد داعش في درنة أو أنصار الشريعة في أجدابيا وبنغازي القريبة أيضًا من الحدود المصرية؟

هل كان يملك النظام المصري حتى في غياب حفتر ومقاتليه رفاهية عدم التحرك؟ هل نحن الوكيل والموكل عنه في حرب الوكالة؟

هذه مجموعة من الاستفهامات تنتظر إجابة، لا أقصد مطلقًا الوصول منها لنتيجة معينة.

افرض معي أن التجربة الديمقراطية في مصر قد نجحت بالفعل، هل كان تهديد تنظيم داعش لنا سيختلف بالسلب أو بالإيجاب؟

هل يمكن ألا يعتبر أي برلمان مصري في هذا التوقيت وجود جماعات تكفيرية متاخمة للحدود تهديدًا للدولة؟

هل التدخل توريط للجيش، حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، أم حرب يسبقها أولويات أخرى تستدعي تدخلًا عسكريًا أوجب، أم حرب بالوكالة، أم تهديد فرض علينا في هذا التوقيت تزامنًا مع أزمة سياسية داخلية؟

هل التدخل البري بعمليات خاصة بدون ضربات جوية لا يعتبر انتهاكًا لسيادة دولة ليبيا؟ وما مدى سيادة حكومة عمر الحاسي على سرت التي اختطف فيها المصريون المذبوحون؟

هل نحن ضد قرار التدخل، أم ضد توقيته أم كيفيته، أم ضد آلية اتخاذ القرار فقط؟

هل لو أيد برلمان مصري منتخب أن نوجه ضربة استباقية وقائية، كانت ستصبح الخدمة في الجيش في سبيل الله والوطن، أما الآن فالجيش في حرب طاغوتية؟

هل هي مغامرة غير محسوبة أم خطر باتت مواجهته مفروضة على دولة يعاني اقتصادها على مستوى الخبز (فما بالك بالحرب)؟

وعن الإقتصاد، هل التدخل المتسرع للنظام المصري في ليبيا غرضه تأمين قطعة من كعكة النفط الليبي؟

إذًا غيّب الكعكة من المشهد ثم قرر ثانية، هل زال الخطر أم مازال موجودًا ويستوجب تدخلًا ما؟
هل حكومة طبرق ترتكب خطأ تلو خطأ بينما حكومة طرابلس أكثر جهازية وتقبلًا لقيام حكومة وحدة وطنية؟

هل الجماعات المسلحة المؤيدة لحكومة طرابلس على مسافة واحدة من التحالف مع حفتر ضد تنظيم الدولة أو التحالف مع تنظيم الدولة ضد حفتر، والعامل الحاسم هو فقط أيهما لها أربح؟

سؤال آخر: مجلس مجاهدي درنة بديهيًا مقره درنة، وداعش موجود بالأساس ويتمدد في درنة [1]، وفصائل مسلحة عدة تتقاطع في درنة، لكننا لم نسمع عن اقتتال في درنة، إلا ضد قوات خليفة حفتر؟

ما هي أيديولوجية (أو أيديولوجيات) الميليشيات المسلحة المعارضة لحكومة طبرق [15]؟

وهل على اختلاف أسمائها لها علاقة ببعضها البعض [16]؟

وما هو موقفهم من حكومة علمانية أو شيوعية إذا أتت بها الديمقراطية للحكم [17]؟

هل بعض تحالفات حكومة طرابلس مشبوهة [18]؟ هل يمكن أن يشمل الاتفاق السياسي المأمول كل الكيانات المسلحة على الساحة؟ هل يمكننا التعويل على إيجاد حل سياسي في المستقبل القريب من شأنه أن يقينا في مصر من الغرق في الوحلة الليبية منفردين؟ هل كان الاكتفاء بمراقبة الحدود الغربية بصرامة قرارًا أكثر حكمة [5]؟

هل النية مبيتة للهجوم على ليبيا وتم استغلال دم الأقباط لتبريره، أم أن الخطر واضح والتهديد موجود ومرصود بالفعل، والحوادث توالت واحدة تلو الأخرى حتى صار التدخل محتومًا، ثم جاء ذبح المصريين كشرارة للتحرك (أو ربما شرارة لتحرك “ثانٍ”)؟

هل التنسيق مع حكومة طبرق وهي بمثابة الشبكة التي تقف بيننا وبين داعش في درنة، وأنصار الشريعة في بني غازي، قرار كارثي كان يجب تجنبه مهما كانت العواقب؟ هل الحفاظ على هذه الشبكة قوية حتى نجاح أي حل سياسي ضرورة للأمن القومي المصري؟

سبق لمصر أن ضربت أهدافًا لفصائل إسلامية في طرابلس في هجمات لم تعترف مصر بها في أغسطس الماضي، وبعض المصادر تشير إلى تكرر هذه الضربات لعدة مرات في عدة مناطق، ولم نسمع بسقوط مدنيين، إذًا مصر تعرف ماذا تضرب، فلماذا تستهدف أحياءً سكنية في درنة في هذا التوقيت؟ هل الحل العسكري جزء من حل لا سبيل لتجنبه 6]]؟

هل الخطر على الجزائر مثل الخطر على مصر المحاصرة شرقًا وغربًا؟ هل كان من الحكمة الانتظار حتى إيجاد حل سياسي مهما طال أمده، بينما تنظيم الدولة يتمدد ويقوى طولًا وعرضًا قرب السلوم؟

بصرف النظر عن دعم النظام المصري لحكومة عبد الله الثني وبرلمان طبرق، هل يمكن في مثل تلك النوائب النأي بالدولة المصرية عن “الصراعات الخارجية” [7]؟ هل هو صراع اخترناه أم مشيناها خطىً كتبت علينا؟

هل يمكن أن يتمنى مواطن مصري فشل الجيش في صد خطر تمدد التنظيمات المسلحة على حدود الوطن شرقًا وغربًا؟
مرة أخيرة، هذه مجموعة من الاستفهامات تنتظر إجابة، لا أقصد مطلقًا الوصول منها لنتيجة معينة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1. تقرير هيثم قطب عن الوضع في ليبيا
2. مقاتلو تنظيم الدولة يتلفون المعازف في درنة
3. مجلس شورى مجاهدي درنة وعلاقته بتنظيم الدولة
4. هل حرب ليبيا حرب بالوكالة؟
5. لا بديل عن محاربة داعش
6. الحل العسكري لا مفر منه ولا نعرف كيف، وكان يجب دعم حكومة طرابلس قبل عام
7. ما الهدف من العملية العسكرية في ليبيا؟
8. سقوط درنة في يد تنظيم الدولة
10. تنظيم الدولة في درنة 2
11. يسألونك عما جرى في ليبيا
12. إذا كنت تريد نصرا في الحرب
13. مناخ الهذيان الغامق
14. ما هي الحرب بالوكالة؟
15. الميليشيات المسلحة في ليبيا
16. علاقة بعض الفصائل ببعضها البعض
18. هل بعض تحالفات حكومة طرابلس مشبوهة؟
19. هل هناك مكان للديمقراطية في ليبيا؟
عرض التعليقات
تحميل المزيد