في أغلب الأحيان تتم عملية الإخصاب بين الشريكين بشكل تقليدي عبر الممارسة الجنسية، وفي أحيان أخرى عبر التلقيح الصناعي الـIn Vitro Fertilisation – I.V.F.

ولكن ماذا عن التقنية الجديدة التي عمل على تطويرها العلماء في السنوات الماضية؟ دعونا نتعرف عليها في السطور التالية.

اسم التقنية

(In Vitro Gametogenesis – I.V.G)

تكوين الجاميتات في المختبر

التقنية باختصار

وجد العلماء طريقة لإنشاء الخلايا المنوية والبويضات المطلوبة للحمل من خلال استخدام خلايا أخرى من الجسد، مثل خلايا الجلد.

ويتم الإجراء على شكل خطوات حيث يقوم العلماء بأخذ خلية ما، ثم عكس هندستها وتحويلها إلى حالة خلية صغيرة جدًا.

تترك هذه الخلية المُصغرة في مراحل نموها المبكرة جدًا لتنمو إلى أن تصبح إما خليه بويضة كاملة، أو خلية حيوان منوي، ويحدث هذا النوع من التغيير للخلية كنتيجة لوضعها بجانب الخلايا التي يراد لها أن تصبح مماثله لهم بالصفات والنوع.

التجربة

بين عامي 2016-2017 أجرى فريق ياباني هذه العملية على فأرتين من الإناث. تم أخذ الخلايا من الفأرتين وتحويلهم إلى بويضات وحيوانات منوية، ثم قاموا بالتخصيب على نمط التلقيح الصناعي IVF ووضع ما تم تخصيبه في رحم الفئران واستمرت الفئران بالحمل إلى أن وضعت أطفالها من صغار الفئران. وما هو أفضل من ذلك، كان لأطفال الفأرتين القدرة على الإنجاب بأنفسهم في وقت لاحق وأظهرت النتائج أن أطفالهم كذلك يتمتعون بالخصوبة ولم يتأثر الجيلين التاليين بالطريقة التي تم تخصيب الفأرتين بها على الإطلاق.

استمرت التجربة، وتم لاحقًا تطبيقها على فأرين من الذكور أيضًا، ولكن مات معظم صغار الفئران الناتجين عن عملية الإخصاب هذه في غضون.

ما يجب توضيحه قبل المتابعة وكما تعلمنا في دروس الأحياء ودروس الكروموسومات في غالب الأحيان ينقسم نوع الكائن إلى قسمين، إما أنثى وتحمل كروموسومين من نوع X، أو ذكر ويحمل كروموسومي XY. وهذا ما ينطبق على الشريحة الأكبر منا كبشر وكحيوانات مع وجود اختلافات كثيرة وحالات خارجه عن هذه القاعدة.

في هذه التجربة ولأن الفأرتين كانتا من الإناث أي يحملن أربع كروموسومات من نوع نتج عن ذلك أطفال إناث فقط. أي لم يكن من الممكن أن يكونوا إلا إناثًا لعدم توفر كروموسوم Y لدى أي من الفأرتين. بناءً على ذلك في الوقت الراهن اثنتين من الإناث ممن يرغبن في الحصول على أطفال عبر هذه التقنية، يمكنهم الحصول على أطفال من الإناث فقط ولربما ينجح العلماء بالتلاعب في هذا المفهوم كما رجحوا، إلا أن هذا لم يحدث بعد أن طبق أو أثبت أي نجاح.

أيضًا إذا تمكن العلماء من إيجاد طريقة لهذه العملية باستخدام ذكرين على سبيل المثال عندها سيتمكن الذكرين من إنجاب الإناث والذكور لكون الذكر يحمل نوعي الكروموسومات X وY، والأمر ذاته ينطبق على الشركاء من نوعين مختلفين (ذكر وأنثى).

أهمية تسليط الضوء على هذه التقنية

ليس بإمكان كل أفراد المجتمع الإنجاب بشكل تقليدي لعدة أسباب من ضمنها انقطاع الطمث عند المرأة في السن الاعتيادي، انقطاع الطمث المبكر (العشرين والثلاثين)، استئصال الأعضاء الجنسية بسبب السرطان وفشل الخلايا، مشاكل الخصوبة، إنجاب مثليي الميول وغير ذلك. قد يكون من المؤلم للغاية أن يتعايش الأشخاص مع فكرة أنهم لن يستطيعون إنجاب أطفال بيولوجيين أو أطفال من صلبهم وبإمكان هذه التكنولوجيا أن تكون حل متاح لهؤلاء، بل قد تمكن النساء من الإنجاب بعد سن الأربعين الأمر الذي سيتيح للنساء في بلدان يصل فيها متوسط عمر إلى 80 عامًا أن تنجب في فترة ما بعد الأربعين، أي فترة الاستقرارًا والتفرغ للتربية والرعاية.

والجدير بالذكر أن هناك تقنيات مشابهه متواجده للعامة في بلدان كثيرة وفي وقتنا الحالي تساعد من يعانون من الأمراض الوراثية أو الوراثية مضمونة الانتقال في منع انتقالها لأطفالهم ويوجد تقنيات أخرى شبيهة، مثل تقنية طفل الثلاثة أشخاص/أباء.

هل يعني ذلك أني سأتمكن من إنجاب طفل من صلبي دون الحاجة إلى شريك؟

وهذا أول سؤال يوجه لي عندما أناقش هذه التقنية مع أي شخص في الحقيقة. إجابته من الناحية النظرية هي نعم. بإمكان شخص ما أن يستخدم خلايا جلده لتطوير بويضات وحيوانات منوية للحصول على طفله وحده دون الحاجة إلى شريك. وربما يجد القارئ هذه النقطة غير ضرورية أو حتى غير أخلاقية بالرغم من أن هناك بالفعل بعض الحيوانات والأنواع الحية التي تفعل ذلك. حتى أن الاستنساخ العادل يدعى أنه تم بالفعل عمله كما رجل عشريني صيني حيث باستنساخ قطته.

وإن كانت المسألة في نهاية المطاف أخلاقية فعزيزي القارئ ليست هذه المسألة الأخلاقية الوحيدة التي يجب تسويتها ومعالجتها قبل أن تخرج هذه التقنية إلينا.

قضايا أخلاقية يجب أن تكون عين الاعتبار وتعالج قبل إتاحة استخدام مثل هذه التقنية في المجتمع

1 مُعضلة الإنسان المثالي

كان ولم يزل الإنسان يسعى لمعرفة المزيد، لاختبار الحدود ومحاولة تخطيها. وبالرغم من عدم سماعنا الكثير حول محاولات خلق الإنسان المثالي، أو تهجين الكائن البشري في أخبار المساء على قنوات الأخبار، إلا أن العالم لا يخلو من التجارب القانونية، أو تلك الأخرى التي تجرى في الخفاء وغالبًا ما يكون ضحاياها متشردي الشوارع والأطفال.

وقد ناقش المجتمع العلمي بالفعل لسنوات طويلة إمكانية القيام بالفحص الجيني من خلال إنشاء العديد من الأجنة مع إمكانية معرفة أي منها تحمل الخصائص الأفضل واختيار تلك التي تحمل الصفات المحببة للأفراد مثل الطول والقوة العضلية، لون العينين، لون الشعر، وغيرها ومن ثم نقلها إلى الطفل وإذا ما تم دمج هذه التقنية مع تقنية الـI.V.G.

قبل زرع البويضات في الرحم، يمكن للناس نظريًا إنشاء مائات الأجنة واستخدام أداة الفحص لتحديد أفضل الصفات لأطفالهم المستقبليين ما يبدو غير أخلاقي إلى حد كبير، بالرغم من أن إختيار الصفات يتم على كل حال في بلدان كثيرة في الشرق الأوسط وأصبح يروج له عبر مشاهير «السوشيال ميديا» فعليًا في الوقت الحالي، ولكن عند مناقشة تقنية الـI.V.G يجب إيجاد حل قانوني، أخلاقي قبل إتاحة التقنية في بلدان العالم للعامة.

2 سيناريو المشاهير

تخيل أن شخص ما يحب إحدى المشاهير، الفنانة ماريون كوتيارجولي كمثال. يخطط الرجل للركض وأخذ صورة معها في مكان عام، وبالطبع مثل أي قصة بوليسية يقترب الرجل لأخذ السيلفي، وبينما يقول «تشيز» عن طريق الخطأ تكشط آلة حادة على شكل مفتاح يحملها بيده الأخرى جزءًا من جلد ذراع الفنانة بنجاح.

يعتذر الرجل ويمشي مطأطئًا رأسه شاعرًا بالذنب إلى أن تخط قدماه عتبة المختبر، وهناك تعلو ضحكة ماكرة يتم بالفعل تحويل خلايا أنجلينا جولي إلى بويضة يخصبها هذا الرجل بمنيه والآن أصبح لديه طفل من ماريون كوتيار!

إذا كان من السهل جدًا الإنجاب عبر استخدام جلد الإنسان الذي قمت بكشطه من شخص ما، ألن يكون هناك بعض الاستغلاليين ممن يحاولون جمع خلايا جلد من أشخاص بلا إذن منهم؟

هل سيكون من العادل أن تتحمل ماريون كوتيار مسؤولية وجود هذا الطفل أو حتى معرفة أنه موجود وأنها حصلت عليه دون موافقه منها؟ وماذا عن الطفل نفسه ومشاعره؟ إن كان هذا السناريو محتملًا فكيف يمكن منع حدوثه؟

3 المجتمع المحافظ

في السبعينات كان يوجد عدد لا بأس به من المجتمع المحافظ مٌعارض لعملية التلقيح الصناعي. اعتبرت هذه الشريحة بأن التقنية عبارة عن إجراء شرير ومخالف للطبيعة، وأنها لابد أن تكون نهاية العالم قد اقتربت ما دمنا سنصنع الأطفال في أنابيب مخبريه، وأننا أصبحنا أكثر جشعًا وغرورًا ويجب أن نكون قادرين على السيطرة على الإنجاب ومن بإمكانه الإنجاب.

جميعنا نعرف شخصًا على الأقل من أولئك الذين يخافون جدًا من التقدم العلمي والوسائل البديلة المستخدمة في مجالات الصحة والعلاج. أولئك الذين بإمكانهم قول أشياء مثل «من أنت حتى تقرر أن تعطي الحياة؟ إذا كان مقدرًا لك أن تنجب ستنجب بشكل طبيعي» دون أن يرف لهم جفن وعن قناعة.

ما حدث بعد السبعينات كان أن التقنية تحققت بالفعل، بل شاعت وساعد هذا التقدم التكنولوجي ملايين الأشخاص حرفيًا ممن حصلوا على أسر سعيدة في النهاية بفضله. فهل سيكرر التاريخ نفسه عندما يتعلق الأمر بتقنية الـI.V.G؟

متى ستتاح التقنية للعامة؟

لم تزل معرفتنا محدودة بالأثار طويلة الأمد، وهذا يعني أيضًا أن لدينا معرفة محدودة بالمخاطر التي يمكن أن ترتبط بها والعواقب التي يمكن أن تنتج عن اللعب بالأحماض النووية على الخلايا بهذا الشكل ولا نعرف ماذا سيعني ذلك للأطفال الذين سيكبرون بعد ذلك. في تجربة الفئران كان الأطفال بخير ولكن الفئران ليسوا بشرًا والطريقة الوحيدة لمعرفة الناتج على البشر هي عبر التجربة على البشر وبشكل قانوني.

تقنية الـI.V.G ليست متاحة للعامة في وقتنا الحالي. على الأقل ليس بالشكل المشرع قانونيًا وبالرغم من أنها أثبتت نجاح مبهر على الفئران وتوصل العلماء إلى طرق تطبيقها على الإنسان (نظريًا) لم يزل البشر بشرًا والفئران فئرانًا، ولا توجد تجربة بشرية مُختبرة بعد كما سيتطلب الأمر الحصول على موافقات عديده من الجهات المشرعة والمؤسسات العلمية للقيام بالتجربة على البشر، والتي بدورها تعني انتظار الطفل ليكبر، وغالبًا ايضًا انتظار الطفل لينجب أيضًا لمعرفة ودراسة قدر كاف من المعلومات الخاصة بهذه التجربة. كل هذا يعني أن الأمر قد يتطلب كل هذه المراحل لتتم قبل أن تسمح الحكومات بممارسة التقنية وإتاحتها للعامة، ولكن الانتظار سيكون أقل نسبيًا للمتطوعين ممن يودون إجراء هذه التجربة باستخدام خلاياهم بعد الموافقات المبدئية من الجهات المختصة.

في النهاية هل سيعني وجود هذه التقنية أن الرجال أو النساء لم يعودوا مهمين في غرف النوم؟ ووجود مثل هذه التقنية لا يعني أن الأشخاص منا من القادرين على الإنجاب بشكل تقليدي سيُمنعون من هذا الحق، أما عن غرف النوم فالإجابة أدعها لكم أنتم أعزائي القراء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد