سئل أرنون ميلتشان يومًا لو فزت بجائزة الأوسكار عن أحد أفلامك التي تنتجها فلمن ستهديها؟ فقال بكل بجدية: سيداتي سادتي أود أن أهدي هذه الجائزة لأنور السادات وإسحاق رابين، شالوم، سلام، بيس.

يحدث كثيرًا  ـ وقد حدث كثيرًا بالفعل ـ أن يتحول لص، قاطع طريق، قواد، أو تاجر سلاح في نهاية حياته إلى متدين أو طيب، فيحاول عن طريق أعمال خيرية، أو السعى وراء هدف، كهدف السلام، محو تاريخه القذر أو كما يقولون دفن غسيله القذر، وهذه حالة نجدها متوفرة في تاريخ أمريكا، وبالتحديد أولئك الرجال الذين بدأت حياتهم العملية مع بداية نشأة الولايات المتحدة كدولة في بدايات القرن الثامن عشر، وكذلك مع بداية مشروع الإمبراطورية في منتصف القرن العشرين، وكونوا ثروات مهولة بطرق غير شرعية أو مشروعة، هؤلاء الذين أطلق عليهم الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت مصطلح البارونات اللصوص، ومن أمثال هؤلاء: چون روكفلر، ديل كارينجي، فاندربلت، دي بونت، والكابتن مورجان، فكلهم – وغيرهم – بدأ حياته بطرق إجرامية، ثم أنهاها تقيًا متدينًا.

والسيد أرنون ميلتشان، ذلك المليونير الإسرائيلى، لايختلف في كثير عن أولئك الأمريكيين في شيء من حيث بدايته، وإن كان يختلف في نهايته، فإذا كان البارونات الأمريكان قد طلبوا الغفران عن طريق إنشاء جامعات أو مراكز بحث تقدم منحًا بالمجان لآلاف الطلبة كل عام، فإن بارون إسرائيل إتجه لإنتاج أفلام تفضح العالم السرى لتجارة السلاح وتهريب المواد النووية، وهو العالم الذي صنع منه – وفيه – ثروته منذ منتصف الستينات وحتى الآن، وهو يحلم بالحصول على أكبر جائزة في عالم السينما ليقدمها – بحسب اعتقاده – لروح بطلين من أبطال السلام في زماننا!

قصة حياة ميلتشان، والتي يعرضها كتاب سري للغاية من إسرائيل، هي تقليدية لأي يهودى هاجر جده مبكرًا لأرض الميعاد هاربًا من قسوة الحياة في أوروبا، ويبدأ حياته وسط ظروف غير مواتية حتى يتم إعلان قيام الدولة اليهودية، ويكون ذلك الجد إلهامًا للحفيد في كل مراحل حياته.

والبداية الحقيقية في تلك القصة عندما يموت الأب فجأة، ويصبح الشاب أرنون مسئولًا عن عائلته، وبما أنه ورث شركة لتجارة الأسمدة، فإنه يبدأ منها، لكنه بعد قليل يكتشف  أن والده كان يتعامل مع جيش الدفاع في استيراد المواد الكيماوية اللازمة لتشغيل مفاعل ديمونة، حلم إسرائيل الذي يضمن قوتها، وأملها في تحقيق رادع نهائي وحاسم ضد أعدائها العرب.

ولأن للشاب طموحه وجموحه، فإن ذلك الشاب يطور وينمي نشاط والده السري، وشيئًا فشيئًا يصبح واحدًا من أهم موردي السلاح بكل أشكاله وأنواعه ـ وبغض النظر عن مشروعية الحصول عليه ـ شراء أو سرقة للدولة، وذلك بالاتفاق مع قادة المؤسسة العسكرية ومباركتهم، ثم هو ينضم لمجموعة مختارة ومتميزة أسسها شيمون بيريز بالاتفاق مع موشي ديان تحت اسم لاكام مهمتها الحصول ـ بأية طريقة كانت – على كل ما تحتاجه الأبحاث العلمية في إسرائيل من أجل إنتاج السلاح الذري.

والطريقة الأمثل لذلك هي تأسيس الشركات من باطن شركات أخرى وبفروع مختلفة، وبأكثر من حسابات بنكية في أكثر من بلد، بحيث لا يمكن تتبعها أو معرفة مصادرها، وبهذه الطريقة ظلت إسرائيل تحصل على كل ما هو متطور وحديث في مجال الأسلحة، من طائرات إف 15، إلى صواريخ باتريوت، ومن أنظمة الدفاع الجوي، إلى مواد يحظر تصديرها، تستخدم في مجال الطاقة النووية.

ثم تتطور الأمور وتتصاعد؛ حتى يصل لتعاون وتنسيق مع كل الأصدقاء في العالم، فمن نظام الفصل العنصرى في جنوب أفريقيا إلى نظام الشاه رضا بهلوي في إيران،مرورًا بموبوتو في زائير.

ولأن مؤسسة الأمن هي صاحبة القول الفصل في القرار السياسى الإسرائيلي، بغض النظر عن لعبة الديمقراطية، فإن مسيرة الرجل الطموح لم تتأثر بأي تغييرات على القمة في تل أبيب، فمن ديفيد بن جوريون، إلى مناحم بيجين، ومن إسحاق رابين، إلى أرييل شارون، وجد أرنون لنفسه مكانًا ومكانة وسط النخبة المتميزة، ولم تتأثر أبدًا حتى بعد سقوط أكبر عميل له في الولايات المتحدة الأمريكية ريتشارد كيلي سمي، الذي أسس معه شركة لتصدير مواد عسكرية لإسرائيل، وكان الهدف الحقيقي هو شحن مادة الكرايترون الممنوع تصديرها، إلا بموافقة وزارة الدفاع الأمريكية.

وقد يتصور البعض أن العلاقات بين أمريكا وإسرائيل تسمح للأخيرة الحصول على كل شيء من الإبرة للڤانتوم، كما يقولون، ولكن ذلك تصور غير حقيقى إلى حد ما، فأمريكا لا تقبل أو بمعنى أصح بعض موظفى وزارات الدفاع والخارجية  – أحيانًا – السماح لإسرائيل بالحصول على أشياء ذات حساسية عالية أو تقنية فائقة؛ لأن ذلك يضر بمصالحها وأمنها القومي، وهذا ما يدفع إسرائيل للتجسس على حليفها الأكبر كما حدث في قضية چوناثان بولارد في الثمانينات) أو سرقة ما تريده وتهريبه بطرق غير مشروعة، ويظل هذا هو نهج الدولة العبرية دومًا، فالشيء الذي لا تحصل عليه برضا الآخرين، تقوم بسرقته غصبًا عنهم، وكل ذلك بحجة الأمن الذي لاسبيل لطمأنته أبدًا.

ولعله من الملاحظ أن السيد أرنون ميلتشان لم يتجه للإنتاج السينمائي، والتخلي عن أنشطته الوطنية، وترك إسرائيل بالكامل، إلا بعد أن اطمأنت الدولة لقوتها، في مقابل ضعف خصومها، ولأمنها ومستقبلها.

ولاشك أنه أنتج بعضًا من أجمل أفلام هوليوود، مثل، جى إف كي، بطولة، كيڤين كوستنر، والسيد والسيدة سميث لبراد بيت، وأنچيلينا چولي، وامرأة جميلة لچوليا روبرتس، إلا أنه سيظل السيد إسرائيل، حسب وصف أحدهم له، وهو الوصف الطبيعى لرجل يعرف كل أسرار التاريخ القذر لحروب إسرائيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

سرى للغاية من إسرائيل
عرض التعليقات
تحميل المزيد