من هو عز الدين القسام؟

لداوعي التلخيص نقول هو: محمد عز الدين بن عبد القادر القسام الشهير باسم «عز الدين القسام»، عالم مسلم، وداعية، ومجاهد، وقائد، ولد في بلدة جَبَلة في اللاذقية سنة 1883، وتربى في أسرة متديّنة ومعروفة باهتمامها بالعلوم الشرعية، ثم ارتحل إلى الجامع الأزهر بالقاهرة سنة 1896 عندما بلغ الرابعة عشرة من عمره، وتخرّج فيه سنة 1906، وعاد إلى بلده جبلة، حيث عمل مدرسًا وخطيبًا في جامع إبراهيم بن أدهم.

ما أبرز مراحل جهاده؟

لأن التفاصيل كثيرة لا يستوعبها حيز المقال وتحتاج ربما إلى كتاب، يمكن للقارئ مراجعتها في سيرة الشيخ المجاهد، لكننا نُجمل أهم مراحل جهاده في هذه النقاط:

– حشد مجموعة من الشباب للذهاب إلى ليبيا للتصدي للاستعمار الإيطالي.
– شارك في القتال ضد المستعمر الفرنسي في سوريا حتى حُكِمَ عليه بالإعدام.
– قام بتنظيم الجهاد والمشاركة بنفسه ضد البريطانيين والصهيونية في فلسطين.
– استشهد في المعركة الشهيرة في أحراش يعبد 1935.

لماذا أجزم بأنه أكثر من خدم المسلمين؟

عند مقاربة التضحيات لتقييم أكثرها عطاءً وبذلًا لا بد من التدقيق في الإمكانيات المتاحة لصاحب التضحية والعطاء، فمن يعطي وهو في سعةً من أمره ليس كمن يعطي في ضيقه، فالأخير أجود من صاحب السعة.

في آخر ظهور له في «حيفا» قبل إعلان الثورة، خرج على الناس في جامع الاستقلال وحثهم على الجهاد، ثم توجه هو ومن معه وباعوا كل ما يملكون من متاع الدنيا حتى «منزله»؛ لحشد أكبر قوة ممكنة قبل إعلان الجهاد من منطقة عين جالوت التي شهدت نصر المسلمين على المغول.

الفكرة الأصيلة لدى هذا الرجل التي تشي بأنه أكثر من خدم العرب والمسلمين في التاريخ المعاصر «أنه أخذ على عاتقه نُصرة المسلمين أينما كانوا» جعل نفسه مسؤولًا أمام الله عما يجري لهم، ثم بادر بالقول والفعل للدفاع عنهم، والدليل على ذلك، أنه أراد التوجه إلى ليبيا، ثم حارب الفرنسيين في سوريا، وأخيرًا استشهد في فلسطين.

ما يزيد سيرته بريقًا أنه خلال فترة شحذه الهمم في فلسطين لم يشِ قط بأنه أحد كبار مجاهدي الثورة السورية في سرية تقُص علينا حب العمل في سبيل الله، دون النظر إلى القيادة والسلطة والمنصب.

استشهاد الشيخ المجاهد وأثره في الفلسطينيين

لقد كان لاستشهاد الشيخ عـز الدين القسام، وقع بليغ هائل، في نفوس أبناء فلسطين؛ فلقد ألهبت حركته واستشهاده في الشعب الفلسطيني الحماسة والهياج، فصارت مثلًا رائعًا للجرأة والجهاد العلني ضد المستعمر، فما أن شاع خبر استشهاد الشيخ عز الدين القسام، حتى اهتزت فلسطين كلها لاستشهاده.

فكانت جنازته يومًا مشهودًا، وكأن فلسطين كانت تُولد روحيًا ولادة ثانية، نُقل الشهداء إلى حيفا، وتمت الصلاة عليهم في جامع الاستقلال، وشُيعت الجثامين الطاهرة بتظاهرة وطنية كبرى، نادت بسقوط الإنجليز، ورفض الوطن القومي اليهودي، ورجموا أثناءها أفراد البوليس بالحجارة، فخرج آلاف الفلسطينيين يحملون الشهداء الثلاثة «الفلسطيني يوسف الزيداوي، والسوري الشيخ القسام، والمصري محمد عطية»، بثيابهم الطاهرة، التي خضبها الدم، للمقبرة في قرية الشيخ، التي وارى فيها الشهيد عز الدين القسام الثرى، وصلى عليه الفلسطينيون صلاة الغائب.

كافة الثورات في العالم تنتهي عند استشهاد قائدها، إلا أن الأمر كان على عكس ذلك؛ فقد اندلعت الثورة عقب استشهاده في دلالة على حجم الأثر الذي تركه في نفوس الناس.

وكان استشهاد القسام ورفاقه، والمشاركة الكبيرة للجماهير الفلسطينية في التشييع، صفعة مدوية على وجوه الزعامات، التي أنهكتها الصراعات والتكالب على المكاسب، فجرفتها عن المصلحة الوطنية الحقيقية، فهي لم تخرج في جنازته، بل سارعت إلى لقاء المندوب البريطاني، لتحذيره من أن عدم التجاوب مع مطالبهم السياسية، سيقوِّض نفوذهم الجماهيري، ويؤدي إلى انتشار الأفكار المتطرفة في صفوف الجماهير.

استهداف قبر القسام

رغم مرور عشرات السنين على استشهاد الشيخ عز الدين القسام، إلا أن اليهود ما يزالون يرونه عامل تحريض للفلسطينيين على المقاومة، فاستهدفوا قبره المرة تلو الأخرى، وتوالت الاعتداءات على المقبرة التي دفن فيها الشيخ المجاهد، وأخذت طابعًا جدّيًا في إزالة قبره والعبث فيه، وتعرضت المقبرة مرات للتدمير والعبث؛ حيث اقتلعت الأشجار المزروعة فيها، وحطمت السياج، وجرفت الأراضي، وانتهكت حرمة القبور والأموات، ومنها قبر الشيخ القسام، وعندما أحس المسلمون في مدينة حيفا بهذا المخطط، بتقويض مقبرة الشيخ عز الدين القسام، عمل متطوعون على مدى أسابيع على حمايتها، خوفًا من تعرضها للتدنيس على أيدي اليهود.

عز الدين القسام نموذجًا للقدوة الحسنة

أكثر ما يجعلني أُدقق في سيرة هذا الرجل هو أن «جمع حوله عشرات السوريين و ذهبوا إلى شاطئ الأسكندرونة لتُقلهم سفينة للجهاد في ليبيا ضد الاستعمار الإيطالي، وانتظروا السفينة لمدة 40 يومًا، ولكنها لم تأت».

السؤال هنا ماذا ظن نفسه فاعلًا بعشرات الرجال أمام دولة مدججة بالسلاح والمال وتفوقهم عددًا وعُدة؟! ألهذا الحد كان إيمانك عميقًا بأنك ستهزم دولة بعشرات الرجال! لله درك يا شيخ، كان يعتقد أن أي حدث أو ظلم يقع على الأمة الإسلامية في أي أرض؛ فهذا يعني أن الأمر يهمه ولا بد أن يعالجه.

القسام الرجل الكابوس لدى الاستعمار الفرنسي؛ فهو «أول من رفع السلاح في وجه الاستعمار الفرنسي في شمال غرب سوريا»، حتى أنزل الديوان به حكمًا غيابيًا بالإعدام، علما بأن الفرنسيين عرضوا عليه أن يصبح قاضيًا والعديد من المناصب لكنه رفض، بعد الحكم عليه بالإعدام لم يتوجه إلى بلد آمن، بل ذهب إلى بلد تحفه المخاطر؛ فتوجه إلى «حيفا» في فلسطين.

عندما كان يصعد على المنبر للخطبة في الناس، كان يسألهم هل أنتم مؤمنون؟ ثم يجيب على نفسه ويقول لا لستم مؤمنين، فيسألونه لماذا لسنا بمؤمنين؟ فيُجيب إذا كنتم مؤمنين عليكم بشراء السلاح لمواجهة الإنجليز، وفي آخر خطبة ظهر فيها ردد الكلام نفسه وأخرج من جيبه مسدسًا ليحثهم على التسلح.

قالت الباحثة والمؤرخة بيان نويهض الحوت: لو أن لي أُمنية في هذه الحياة هي «أن أعيش في زمن القسام وأجاهد وأستشهد معه»، آخر كلمة قالها الشيخ قبل استشهاده في معركة يعبد: «قاتلوا وموتوا شهداء».

على خُطى القسام

أصبح الشهيد عز الدين القسام رمزًا للمقاومة والجهاد، فأُطلق اسمه على الكثير من الجهات الجهادية والمساجد والمؤسسات، وقد أطلقت حركة المقاومة الإسلامية حماس اسمه على كتائبها العسكرية، التي تصدرت العمل الفدائي في فلسطين، منذ أوائل الثمانينات، وواجهت العدو الصهيوني بعملياتها الاستشهادية، كما أُطلق اسم القسام على الصواريخ، التي تطلقها فصائل المقاومة الفلسطينية، على المستعمرات الصهيونية، ليظل اسم القائد المجاهد الشيخ عز الدين القسام خالدًا في العالمين، مع كل طلقة حرة، وكل مقاومة باسلة، وكل جهاد مقدس، فسلام عليك يا شيخنا المجاهد عز الدين القسام في حياتك، وسلام عليك بعد استشهادك، وستبقى ذكراك خالدة في قلوب وعقول كل الأحرار والشرفاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدين, القسام, عز
عرض التعليقات
تحميل المزيد