وادي النحل هو آخر ممر مائي يفصلك عن قرية نيرتتي التي ترقد على جنبات الجبل، وأعلاه في قممه ببيوته المصنوعة من القش غالبًا وتسود فيها نمط العمارة المحلية المعروفة بالقطاطي، وهي غرف مبنية من القش بشكل مخروطي يسمح بانسياب مياه الأمطار خلاله، عبرناه عن طريق كبري مشيد فوقه لنصل إلى نيرتتي ليلًا وكان الأمر  ليكون مختلفًا لو وصلنا إلى الجبل نهارًا حيث تتسابق سهول ساشعة من الورورد الطبيعية على جانبي الطريق، مرحبةً بقدومك، حيث يسبق أريج  رائحة الأزهار بريقُ مناظره في الحُسن، تتفوق حقول الورود الطبيعية هذه على السجاد الأحمر الذي يطأه الرؤساء والملوك، إن هذه المناظر الطبيعية ليس لها نظير سوى حقول زهرة التوليب في الريف الأوروبي.

بعد أن قضينا ليلةً من النوم في ظروف مغايرة للتي تعودنا عليها، حيث الليل هنا بارد ورطب للغاية، وتظل سيمفونية من أصوات الحيوانات البرية تعزف معظم الليل تجعل قلبك يهفو لاستكشافها صباحًا، هذا بالطبع إذا تخطيت حاجز الخوف الذي تملكك طوال الليل، إن الصباح في جبل مرة لا يشبهه أي شيء آخر لأشبهه به، لو علمت صباح ابنة العاصمة ذات العشرين ربيعًا أن صباح جبل مرة يفوقها جمالًا لأقلعت على الفور من وِزر قتلنا بجمال مُحيّاها، وسجدت شُكرًا لخالق هذا الجمال.

مدهوشًا مُصابًا بالوُجوم وقفت متأملًا جمال الجبل لأول مرة في حياتي تلتقي عينانا، وظننت لوهلة أن المنظر أمامي ما هو إلا لوحة فنية عملاقة وضعها قريبي جمال المرافق لي؛ ليخدعني أنني في حضرة جبل مرة، إذ لا يمكن لهذا المنظر الماثِل أمامي أن يكون طبيعيًّا على الإطلاق، قمم جبلية خضراء ممتدة أمام ناظريْ، رُكام السُحب تسوقه الرياح تمر أمامك حتى تكاد تلامسك، لولا الضباب الذي حجب عني الرؤية جُزئيًّا لذهب بصري من هول ما رأى، لا يمكن لأي مهندس في هذا الكوكب أن يصيغ هذا الجمال، إنه تفرُّد المهندس الأعظم للكون، إنه رب الجمال الذي ما يزال يُدهشنا بجمال ما صنع وكلما التفت يمينًا او يسارًا متأملًا هذا الجمال المختزل في جبل مرة، أزداد يقيناً أنه الملك الخبير الذي ليس مثله شيء.

بعد أن غازلتنا الطبيعة بأمطار خفيفة في الصباح الباكر سلكنا طريقًا غير معبّد يمر خلال قرية نيرتتي، متجهًا نحو إحدى قمم الجبل حيث توقفنا في آخر نقطة تستطيع السيارة بلوغها بحيث لا يبقي بعد هذه النقطة لا كُفر ولا إيمان، فقط الجمال هو الذي يُميز الناس، ما أن وطِئت قدمي تراب الجبل حتى أصابني داء الحسد تجاه السكان الذين يسكنون في قمة الجبل، وتجاه الجنود الذين يتمركزون هنا، وتجاه الأطفال الذين يلهون ويلعبون في حضرة هذا الجمال، تملّكني شعور بالضياع مُتحسّرًا على سنوات طفولتي وشبابي التي كنت فيها أسيرًا للكتب ونمط التعليم النظامي، للحظة كرِهتُ وظيفتي، ومكتبي الوثير، ورفاهية العاصمة المزيفة، وهواءها الملوث، كرهت كل شيء يمت للمدن بصلة.

وللأمانة يجب أن أعترف أن دخولي جبل مرة كان بمثابة خروجي من رحم حياتي العبثية، وميلادي من جديد؛ إذ أعدتُ تعريفي لمصطلح الجمال ومقاييسه، كان بمثابة تجديد إيماني ببشاعة الحروب وعبثيتها وتجديد كُرهي لكل من شارك فيها وحرمني من تلمُّس هذا الجمال، إن دخولك جبل مرة لأول مرة يعيد إلى خاطرتك كل عبارات وصف الجنة ونعيمها، هنا حيث لا عينٌ رأت.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد