إن القراءة المتأنية لتراثنا العلمي تقودنا إلى استكشاف مناطق تقاطع فيها هذا التراث مع العلم التجريبي الحديث بصورة غير مقصودة، فالدافع لدى علماء العرب كان دافعًا روحيًّا ودينيًّا يرى في العلم كمالًا للذات الجوانيّة للإنسان في المقام الأول، بحيث يختلف هذا مع الدوافع المادية للعلم التجريبي الحديث الذي نشأ في الغرب.

خيمياء ابن حيَّان

في القرن الماضي، تمكن العالم الأمريكي دمبستر من تحويل الزئبق إلى ذهب، من خلال طرده لبروتون من نواة الزئبق المحتوية على 80 بروتونًا، لتتحول إلى نواة حاملة لـ79 بروتونًا، والذي هو عدد الشحنات الموجبة نفسه لنواة الذهب.

قبل ذلك، يذكر المؤرخ موريس كروسلاند في كتابه «تاريخ الكيمياء من منظور أشمل» أن إسحاق نيوتن أحد أكبر العقول العلمية في التاريخ قد اشتغل لفترة طويلة من حياته بكتب الخيمياء، محاولًا تحويل المعادن البخيسة إلى ذهب.

وبالرجوع أكثر نكتشف أن لفظة خيمياء – كما تؤكد العديد من الدراسات الحديثة – منشأها مصر القديمة، فهي مأخوذة من كمي Chemi والتي تشير إلى التربة السوداء لأرض مصر، ولما انتقل هذا العلم إلى بلاد اليونان نُسب إلى المكان الذي جاء منه فسُمّي بذلك كيميا أو خيميا.

وبالبقاء في العالم القديم، فإن بعض التفاعلات الكيميائية التي يتحول فيها شكل المعدن الظاهري قد أغرى القدماء بإمكانية تحويل المعادن إلى ذهب، فمثلًا عند غمس قطعة من الحديد في سائل كبريتات النحاس الأزرق، فإن التفاعل ينتهي بطلي الحديد بطبقة بنية بسبب ترسب ذرات النحاس عليه، كان التفسير اليوناني السائد آنذاك، والذي تسرب إلى عقل جابر بن حيان، أن كل شيء في العالم يتكون من أربعة عناصر، وهم الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وأن الاختلاف بين المواد يعتمد على الاختلاف في النسب الكمّية لهذه العناصر الداخلة في تشكيل تلك المواد، فمثلًا الحديد يحتوي على نسبة أكبر من عنصري الحرارة واليبوسة وعلى نسبة أقل من البرودة والرطوبة كامنة فيه، وهذا كان يسمى الوجود بالفعل، والكيميائي هو الذي يستطيع أن يُغيِّر في تلك النسب ليظهر أشكالًا أخرى، وكان هذا يسمى الوجود بالقوة.

ولكن ما الذي جعل ابن حيان أبًا للكيمياء الحديثة؟

ربما تكون نزعة جابر التجريبية هي سر احتفاء المستشرقين به، فبينما كان نمط التعلم السائد في أوروبا حينها هو مطالعة كتابات القدماء؛ فإن المعمل الضخم المنسوب لجابر، والذي عُثر عليه في الكوفة، يشير إلى تلك النزعة التجريبية لديه، وكذا بعض الإشارات من كتبه، يقول في كتابه «الخواص» «التجربة محك معتمد، لكنها وحدها لا تكفي، إنما صنعة الكيمياء بالعوامل الثلاثة معًا: العلم والعمل والتجربة»، بل إنه يمضي إلى ما يشبه النقد لطريقة التعلم السائدة في عصره فيقول: «إننا نذكر في هذه الكتب خواص ما رأيناه فقط دون ما سمعناه أو قيل لنا أو قرأناه، بعد أن امتحنّاه وجربناه، فما صح أوردناه وما بطل رفضناه».

ثم يبدو أن جابرًا قد ألمح إلى ما يسمى بمشكلة «الاستقراء» التي نجد لها صدى في أعمال أرسطو المنطقية، ومن أشهر مفجريها في العصر الحديث الفيلسوف ديفيد هيوم، فقد ذكر جابر في كتابه «التصريف» أن من طرق الاستدلال مجرى العادة، والذي يعني أنه باستقراء (ملاحظة) العديد من الوقائع الجزئية فإن النتائج لا تفيد يقينًا، فمثلًا لا يكفينا رؤيتنا للشمس وهي تشرق كل يوم حتى نجزم بأنها ستشرق غدًا لا محالة، وهذا المعنى الدقيق الذي التفت إليه ابن حيان يضع كل نظرية علمية على محك الاختبار الدائم، ثم يبرر أخذنا في العادة بهذا النوع من الاستدلال «لما في النفس من الظن والحسبان بأن الأمور ينبغي أن تجري على نظام ومشابهة ومماثلة».

ولكن هل هذا كل ما في الأمر؟

الأبعاد الدينية

في بحثه المُعنون بـ«جابر بن حيان، دراسة مختلفة في شخصيته وتاريخه»، يقول الأستاذ جويا جهانبخش «إن الكيمياء التي تطالعنا في نصوص من قبيل تراث جابر لا تهدف إلى تغيير المادة؛ بل تصبو إلى تغيير الإنسان نفسه، وتسعى إلى تحصيل شيء شبيه بما سيعرف بعد ذلك بين الصوفيين المتأخرين باسم الإنسان الكامل. فهو في الحقيقة تقليد روحي يختبئ تحت غطاء من الكيمياء».

لم يعد من اختصاصات العلم التجريبي الحديث التحدث عن غايات ما لأفعال الطبيعة، فمثلًا لم يصبح علميًّا السؤال عن الغاية أو المعنى من دوران القمر حول الأرض؛ بل حسبنا – حتى نكون علميين – أن نلقي سؤالًا بكيف يحدث هذا فحسب.

هذا بالضبط ما نقصده عندما نشير إلى أن علم الكيمياء – كما هو معروف الآن – قد قام في القرن الثامن عشر على يد العالم الفرنسي لافوازيه، الذي استفاد من تجارب لعلماء قبله أفلحوا في فصل عناصر مهمة، مثل الأوكسجين والهيدروجين.

أثبت لافوازيه إذًا من خلال أبحاثه أن نظرية العناصر الأربعة التي تقوم بتكوين المواد باختلاف في النسب الكمّية عبارة عن هراء، فمثلًا جزيء الماء أو الرطوبة لم يعد عنصرًا بحد ذاته؛ بل إنه يتكون من عنصري الهيدروجين والأوكسجين كما هو معروف.

وبالرجوع إلى جابر فإنه كان شيعيًّا باطنيًّا، يكرر دائمًا أنه مدين في جميع علومه لإمام ديني، وهو الإمام السادس عند الشيعة الإثنى عشرية جعفر الصادق، وأنه – أي الصادق – هو الذي أعطاه الأوامر والتوجيهات في تدوين رسائله الكيميائية.

إذًا لم تكن الكيمياء غاية في حد ذاتها عند ابن حيان؛ بل كانت مُحملة بغايات دينية، فجابر يقول في حق الكيمياء «فو حق سيدي، إنه علم لاهوتي نبوي، إذ ليس في وسع أحد أن ينطق بمثله والسلام».

جابر أيضًا كان يرى بعدًا روحانيًّا مهمًّا لكيميائه متأثرًا بفكرة قديمة ترى التماثل بين الكون والإنسان، من حيث سريان الصفات المادية والروحية في كلٍ منهما، والصنعة – أي الكيمياء – تحتوي على ظاهر مادي وباطن روحي أيضًا، يقول «والعالم عالمان أكبر وأصغر، فالأكبر الجسم العالي وما فوقه من الجواهر الروحية، والأصغر الإنسان، وسمّي الأصغر بالأكبر لأنه مثله سواء (…) والصنعة – الكيمياء – عالم ثالث (…) لأنهم رأوا الكل في العالم الكبير نظيرًا في العالم الصغير من القوى الباطنة والظاهرة».

ختامًا، فإن الدكتور خالد قطب يشير في كُتيبه الصغير «العقل العلمي العربي: محاولة لإعادة الاكتشاف» إلى أنه قد ظهر نهج في الأربعينيات من القرن الماضي يؤرخ للعلم العربي بصورة إنشائية يسعى بصورة متعجلة إلى تكريس فكرة أن علماء العرب قد سبقوا علماء الغرب على المستوى النظري والتقني، فجاءت تلك المحاولة مليئة بالنواقص والمفارقات، مما أخر عملية إعادة الاكتشاف الجادة لذاتنا الحقيقية من أجل الانطلاق بها نحو المستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد