لقد تردد دائمًا في كتب مناهج البحث العلمي أن الدراسات تخلق الأسئلة أكثر مما تجيب عنها، والأستاذ المغربي محمد عابد الجابري أيضًا لم يخرج عن هذه القاعدة، فهو اجتهد في فتح نقاش فكري حول العقل العربي وتأكيده على نقده وضرورة إعادة النظر في آلياته للخروج من التخلف، وطرحه رؤيته لنموذج عقل عربي أكثر انفتاحًا. لكنه خلق الكثير من التناقضات حول تسمية هذا العقل بالعربي وخصوصيته وفصله الميكانيكي بين العقل والفكر، مما يجعله يؤكد ما جاء به المستشرقون، ويضعنا أمام طرح إشكالاتنا مع التراث تحت مجهر العلوم الإنسانية الحل الأكثر مصداقية.

فصل عابد الجابري بين الفكر والعقل، فاعتبر العقل العربي هو الذي أنتج الفكر، دون خوض غمار نقاش الأيديولوجيات العربية والبيئة التي نتجت فيها وأثر السياسة في توسيع دائرة المقدس. واستعمل «العقل العربي» دون «الإسلامي»، مما يحيل على تناقضات عدة، فالفكر العربي الذي هو نتاج هذا العقل الذي نتج في مناخ التراث الإسلامي وتجاذباته، فهو أراد الهروب مما يصعب الهروب منه، فلذلك اعتبر جورج طرابلشي الحديث عن العقل العربي هو حديثًا عن العقل التراثي الإسلامي بالضرورة.

واعتبر الجابري بنية العقل العربي بنية منفردة غير متغيرة تتميز بالخصوصية، وهي خصوصية شرحها بموقع العقل في الثقافة العربية وكونه يحمل حمولة أخلاقية، تفصل بين الخطأ والصواب والحق والباطل، واستدل بمعنى العقل في القرآن ولغة العرب. بينما العقل اليوناني اهتم بالمعرفة وتحصيلها وتحليل الظواهر الطبيعية.

لكن يجب تحديد الخصوصية العربية التي يمكن اعتبارها خصوصية مقبولة، هل هي الخصوصية الثقافية التي تتم دراستها وفق الآليات العلمية في دراسة الثقافات وبنية مفاهيمها، أم هي خصوصية تفصل المنطقة عن محيطها الكوني وتجعل منها ورقة يتم رفعها كلما أشكلت على البعض مبادئ حقوق الإنسان والقيم الكونية.

مشكل الخصوصية الفكرية اعتبره الكثيرون صورة منمطة للعربي. فهذا التصور من ناحية يردد أفكار المستشرقين الذين درسوا الثقافة العربية الإسلامية بنظرة أوروبية استعمارية، كما شرح ذلك إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق. فالفكر العربي بالنسبة لسعيد هو امتداد للحضارات التي قبله وهو الآن في تحول دائم وفق سيرورة إنسانية لا يمكن فصلها عن محيطه وتاريخه، وليس له بنية ثابتة كما يريد أن يبرهن الجابري. لذلك ما على الفكر العربي أو الإسلامي إلا تدارك ما فاته وإتمام سيرورته.

عابد الجابري اختار نقد ما سماه العقل العربي وبنيته، وإعادة غربلة التراث باستعمال أدوات تجمع بين القيمي والموضوعي. لكن لمنهجه محاذير كثيرة وجب الانتباه لها. كاستعمال العلوم الإنسانية والأدوات الحديثة في تحليل النص عند ضيق الأفق لحل مشاكل عدم توافق التراث مع الواقع. ثم التحجج بالخصوصية والعقل الأخلاقي عند الحديث عن الثوابت، أو ما يراد به أن يكون ثابتًا، إما لأسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.

لذلك ما على الفكر العربي أو الإسلامي إلا تدارك ما فاته والاندماج بوعي في ظل التطور الإنساني. والنظر إلى التراث بوسائل العلوم الإنسانية الموضوعية التي تعري التحكم المباشر للسياسة والثقافة السائدة في صياغته. والأمر سيحتاج إلى شجاعة صياغة خطاب يفكك اليقينيات التي تلقيناها في المدارس ووسائل الإعلام المختلفة وسيفتح آفاقًا جديدة تجعل منا أكثر انفتاحًا وأقل تعصبًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد