لم أحدد علاقتى  بعد مع السير الذاتية بشكل عام، ولكني غالبًا ما أتحاشى قراءتها لأصحابها وهم على قيد الحياة.

الراحلون، حتى وإن لم نكن قد عرفناهم أو التقيناهم قط، تبقى لعلاقتنا معهم نفحة براءة وعفوية وصدق، وهم في النهاية عند الله، عند مصدر الرحمة والعدل في هذا الكون الغارق في القسوة والظلم، لذلك أشعر أنه من المعيب ألا أحبهم! أو على الأقل، لا يليق أن أكرههم. وليس هناك احتمال أن يقترفوا حماقة اتخاذ موقف مشين من الأحداث المتسارعة التي نعيشها والتي سقط فيها من سقط.

فالراحلون على الأقل، لن يفاجئونا بصدمة أو خذلان جديد.

أبلغتني صديقتي قبل يومين أنها التقت جبرا في “شارع الأميرات”، وقد تحمست لمشاركتها التوقيت في قراءة الكتاب لنناقشه معًا. وقد كان.

“شارع الأميرات”، أو شارع المشّائين، أول لقاء لي بجبرا إبراهيم جبرا، الأديب الفلسطيني/العالمي المعروف. وليست كل المعارف متشابهة، ولكنها متفاوتة في عمقها وموضوعيتها.

كنتُ أعرف اسمه ولا أعرفه! لم أقرأ عنه أو له أي شيء. وكنت أعرف أيضًا أنه اسمٌ لامع مشهودٌ له بأنه ترك بصمة في عالم الأدب، غير أني لم ألتق به قبل يوم أمس، وهو ما أعتبره اعترافًا لا بد منه مهما كان مخجلًا، يشفع له المثل القائل: “كل تأخيرة فيها خيرة!”.

وقد لمست هذه “الخيرة” في الوقع الاستثنائي لـ “شارع الأميرات” في قلبي وعقلي.

يدّعي جبرا في “شارع الأميرات” أنه يتحدث عن عامين من أهم سنوات حياته، إذ كان فيهما لقاؤه بالسيدة “لميعة” التي التقاها في بغداد وأحبها، ثم تزوجها لاحقًا بعد قصة ظريفة. يستحيل على شخصية موسوعية التجارب مثل جبرا أن لا يذهلك بربطه لأحداث وتجارب خارج حدود هاتين السنتين الزمانية، ولكنها ارتبطت بشكل ما بـ “شارع الأميرات”، وبالأميرة/ أعني السيدة لميعة.

لقد استغرقت مني قراءة الكتاب يومًا واحدًا، فعندما تقرأ كتابًا له سطوة على النفس، فإن الحل الأمثل أن تنهيه في أسرع وقت ممكن، لأنك ستحتاج أضعاف هذا الوقت للتعافي من أثره. قضيت ثلاث ساعات ونصفًا منها في زحمة شوارع “الدوحة” وأنا مشدوهة مع قصص جبرا. قرأت دون توقف، وحدث أنني هممت بالتحرك عندما أضاءت الإشارة الخضراء وإذا بالسيارة ترجع للخلف! أوه.. المعذرة. إنني أقرأ “شارع الأميرات”.

أعترف أنه ضرب من الجنون أن تقرأ كتابًا، فضلا عن أن يكون لجبرا، أثناء قيادة السيارة. أسجل امتناني لحامل الهاتف في السيارة الذي ساعدني لإتمام المهمة والعودة للبيت بسلام.

أثارني جبرا – لسبب ما كلما كتبت اسمه رحت أدندن: جفرا عتابا زريف الطول!- ، أذهلني هذا الشاب الفلسطيني المتقد بهذه المقطوعة من سيرته. إنها المرة الأولى التي أقرأ فيها لفلسطيني لا يأخذ التعتير والمعاناة والكدح النصيب الأكبر من سيرته.

لا أدعي أنه لم يعانِ الأمرّين في حياته، ولكن شخصيته المنطلقة الوثابة لم تكن لتستعذب الحديث عن المعاناة، بينما يمكنها الحديث دون توقف عن مغامرات ونشاطات وتجارب مثيرة. لقد برع في تحاشي المأساوية، التي لا تليق به على أية حال، كما أثبت براعة في تخطي المواقف الصعبة في حياته بلياقة.

وقد عرّج بجمال، مكتنف للوجع، في وصفه حال الفلسطينيين. قال: “في اليوم التالي رسمت بالألوان الزيتية المشهد البحري من خلال النافذة، مركزا على البيوت الحجرية المتنائية، التي هي من أروع ما يرى المرء أحيانًا على سواحل بيروت، بل سواحل لبنان كلها.

قلت: انظر، ثيو، إلى تلك الأسلاب التي يتقاذفها الموج. نحن الفلسطينيين الآن مثلها، تتقاذفنا أمواج العالم، تقارب بيننا حين نتعانق، ثم تفرق بيننا بعنفها، فنتطاير في ألف اتجاه، ولا نعلم إن كانت ستعود يومًا وتجمعنا، ولو بعنفها، مرة أخرى.”

ومازلنا حتى اليوم يا جبرا، نحن الفلسطينيين، وزد علينا العراقيين والسوريين والمصريين، بل كل حرّ صاحب فكرة في بلادنا العربية، مازلنا تتقاذفنا الأمواج التي لا تريد أن تهدأ يومًا.

يمثل كاتبنا شريحة من الشعب الفلسطيني، ستلتقيها عندما تقرأ “شارع الأميرات”، عاشت في وسط يعج بالفنانين والأدباء والمعماريين العريقين سواء وهم في فلسطين أو في غربتهم في المهجر أو بغداد أو بيروت. هذه الفئة تختلف تمامًا عن الفئة التي عرفتها من خلال سير ذاتية وروايات تاريخية ملحمية ضجت بالألم والمعاناة.

ومع تقديري لهذا التفاوت الذي يستحق التأمل، فقد كان ملفتًا بالنسبة لي أن يمر جبرا في هذا المقطع من سيرته مرور الكرام على النكبة الفلسطينية، أن لا يرسم صورة لمشهد الهجرة، أن لا يذكر من عاشوا ضنك الترحال من القرية للمخيم مشيًا على الأقدام الحافية.

يصف جبرا نفسه أنه من معشر المشائين، الذين يعشقون مشي المسافات الكبيرة رياضة للجسد ورياضة للعقل والفكر، “فيجعلون الأولى وسيلة للثانية”، “فتأتيه الأفكار على إيقاع السير، وتتهادى الذكريات، وتتسارع الخواطر”. ويضيف: “يسعدني أن أقول أنني، ومنذ بداياتي، من عشيرة هؤلاء المشائين. ففي طفولتي وحداثتي، حتى سن الخامسة عشرة، لم أركب عربة أو سيارة إلا مرات معدودات متباعدات. وكانت روحاتي وعوداتي إلى الدار والمدرسة على القدمين.”

لقد كانت هذه العادة ملازمة له حيثما ذهب، من القدس لإنجلترا، وفي بغداد. ومن هنا كانت تسمية هذه المقطوعة من سيرته بـ “شارع الأميرات”، وهو الشارع الأبرز في بغداد، الذي مشى فيه لساعات طويلة تفتقت فيها أجمل الأفكار وولدت فيها بداية أجمل الروايات والقصائد التي كتبها.

كان طبيعيًا جدا أن يسرقني جبرا من عالمي الوليد، إلى عالمه الناضج في حديثه عن تجاربه الأكاديمية المتميزة. فبعد دراسته في القدس، حصل جبرا عل منحة ليدرس في جامعة إكستر في إنجلترا، ومن إكستر انتقل لجامعة كمبردج ونظرًا لتميزه الملحوظ، فقد سعى مسؤول هيئة المعارف بالقدس آنذاك، سعى لأن يحصل جبرا على منحة ليكمل الدكتوراه في كمبردج ولكن جبرا رفضها لأنه كما قال وقتها، لا يريد أن يقضي ثلاث سنوات إضافية من عمره وهو يحلل ويدرس ما كتبه شخص ما، إنه يريد أن يتفرغ ليكتب أفكاره وأدبه الخاص. ثم انتقل إلى بغداد ودرس فيها، وبعد ذلك بسنوات انتقل إلى هارفرد. أن يتوزع العمر، والتجربة الأكاديمية، من القدس إلى كمبردج، فبغداد، ثم هارفرد، إن هذا لشيء عظيم حقًا. ولا أدري هل هذه التجارب هي من صنعت جبرا، أم أنها صُنعت لأنه جبرا!

الانطلاق والإقبال الكبير على التعرف على كل جديد، والشغف، الشغف للتعلم بلا حدود، والجرأة للتجربة، كل هذه الصفات ميّزته وأصدقاءه بدرجات متفاوتة. فما كان لذلك الحماس وهذا الاتّقاد إلا أن ينتج أمثاله وأمثال بدر شاكر السياب ووليد الخالدي وغيرهم من الأدباء والفنانين والمفكرين الذين عرفناهم كبارًا، ولكن البذرة كانت قد غرست منذ زمن، قبل أن نولد نحن، أو آباؤنا! مذهلة تلك التوليفة التي عاشها. فمثلًا، قد درّسه في الابتدائية في القدس الشاعر إبراهيم طوقان، وعندما كبر جبرا ودرّس في بغداد: كان من طلابه الشاعر بدر شاكر السياب.

ومن المواقف المدهشة في “شارع الأميرات” اللقاء الأول لجبرا بالسيد والسيدة “مالوان” بعد فترة قريبة من وصوله لبغداد. قال جبرا عن ذاك اللقاء: “وشعرت أنني حتى تلك اللحظة. وقد دخلت التاسعة والعشرين من عمري. مازلت أصارع تلك الحمى الرهيبة. حمى الكتابة. منذ مراهقتي ولكنني لم أنجز إلا روايتين قصيرتين لم أنشرهما وبضع قصص قصيرة بعضها لم يتكامل بعد.

وكثيرا من الشعر أحتفظ بمعظمه لنفسي. وعددًا من المقالات إضافة إلى ما كنت أذيعه منها بالراديو بدأت أنشرها في الأشهر الأخيرة ولكنها لا ترضي كثيرًا وقلت لنفسي حين شرعنا بتناول العشاء أن الشخص الوحيد في تلك الغرفة الذي لا يعاني من حمى الكتابة ولا يعرف تاريخها وعذاباتها باستثناء الخادم الذي كان يأتينا بأطباق الطعام باحترام كبير هو المسز مالون.

حسبها أنها تثير هذا النقاش حول الأحداث المعاصرة والغابرة وطبائع البشر وتكتفي بأن تحوك بولوفر لزوجها (الأصغر منها سنًا حتمًا) تقيه البرد وهو يستعرض الطبيعة القاسية وهو يستخرج بعناد المحب شواهد التاريخ وأسراره المحجوبة في الأعماق من تلال الشمال”.

ولكن الحقيقة المفاجئة التي اكتشفها لاحقًا عن هوية السيدة مالوان أذهلته. يقول: “التقيت ماكس مالون وزوجته بعد ذلك مرة أو مرتين في مناسبات عامة. ولفت نظري أن السيدة مالون شديدة اليقظة لما يجري حولها، ولمن ترى من أناس وفي شهر نيسان من ذلك العام 1949 أقيمت حفلة تمثيلية باللغة الإنكليزية في قاعة الملك فيصل الثاني (قاعة الشعب حاليا). وفي تلك الحفلة في فترة الاستراحة خرجت مع رفيق لي إلى قاعة المرطبات كغيري من المتفرجين وإذا نحن أمام مالوان وزوجته نشرب القهوة.

ولما عدت إلى الكاونتر لأضع عني فنجان القهوة قابلني دزموند ستيوارت وسألني متفكهًا هل وجدتم حلا للجريمة؟ لم أفهم قصده وقلت أية جريمة؟ أجاب: جريمة من اختراع السيدة التي رأيتك تتحدث إليها.
فقلت: آسف لا أفهم قصدك.

قال: ألم تكن تتحدث إلى أغاثا كريستي؟

أدهشني سؤاله وحسبته مازال يتندر وقلت ببساطة: كنت أتحدث إلى ماكس مالون وزوجته. وهتف: ظننتك تعلم المسز مالون هذه هي كاتبة الروايات البوليسية أغاثا كريستي.

– مستحيل!

– اذهب إليها وتأكد. ولكن أفراد الجمهور بانتهاء فترة الاستراحة كانوا قد عادوا إلى مقاعدهم في المسرح وعدت إلى مقعدي وأنا لا أصدق ما سمعت.

أهذه حقًا أغاثا كريستي التي قرأت لها الكثير من الروايات البوليسية منذ سنيّ حداثتي أزورها وأناقشها ولا يخطر ببالي لحظتين أنها أمسكت يومًا قلمًا بيدها!

لم أستطع متابعة النصف الثاني من المسرحية في انتظار نهايتها وبدت كأنها لن تنتهي إلى أن أسدل الستار أخيرًا وتحرك الناس مغادرين مقاعدهم بعد التصفيق بينما تركت رفيقي وأسرعت من بينهم باحثًا على المسز مالون إلى أن لمحتها عند الباب الخارجي واقفة مع زوجها بانتظار سيارتهما.

ذهبت إليها وسألتها مباشرة: هل أنت حقًا أغاثا كريستي؟

ضحكت السيدة الفاضلة وأجابت ببساطة: نعم.

قلت: يؤسفني جدًا أنني لم أكن أعلم بذلك.

قالت: أحسن! أحسن! متى تزورنا في نمرود؟.”

ربما كانت موهبة جبرا الأدبية والفنية الاستثنائية هي السبب في جعله ضمن الطبقة الأكثر تميزا ورقيًّا بين معاشر الأدباء والفنانين من شتى الجنسيات والأديان. وحيثما ذهب، كانت له “شلته” المثيرة، وفي بغداد كانت له عدة شلل، استطاع أن يكون عنصرًا مهمًا فيها جميعًا. يصف تلك الفترة في بغداد تحديدًا فيقول:

“وفي مناسبات كتلك كنت ترى حولك معظم مثقفي بغداد من عراقيين وأجانب لأن المدينة لم تكن بعد قد اتسعت كثيرًا عمرانًا وسكانًا وكان المرء يشعر أنه يكاد يعرف كل من يستحق أن يعرف في المدينة وأنه بالمقابل معروف لديهم جميعًا.

وكان أساتذة الكليات والخريجون الجامعيون القلائل بالنسبة لما تحقق بعد ذلك بعشرين سنة تجمعهم بأعداد كبيرة المناسبات الثقافية كالمحاضرات العامة أو المعارض الفنية على ندرتها أو حفلات الموسيقى الكلاسيكية التي تقدمها الفرقة السمفونية العراقية الناشئة أو المسرحيات التي تقدمها بوجه خاص الفرق الزائرة.” جبرا نفسه كان متعجبًا من قدرته على التوفيق بين “التزاماته” الاجتماعية أو بالأصح لهوه الاجتماعي، وصعوده المستمر في سلم التميز في الأدب والرسم، وقال: لقد كان في يومي أكثر من 24 ساعة!

قادتني قراءة هذه اللمحة إلى التفكير في الترهل والتأخر الذي نشهده عند الإسلاميين اليوم. أين المتميز منهم في كل ميدان؟ وهذا موضوع واسع يستحق أن يفرد في مقالات خاصة، ولكني أرى أن الشباب الإسلامي غالبًا ما يستنزفه ويحد من إبداعه وانطلاقه محكومًا بهاجس الخوف، الخوف من الآخر المختلف، من تجربة الجديد، من الانجراف والانحراف! كل هذا من شأنه أن يكبح جماح الإبداع والانطلاق، ويستنزف الجهد والوقت والطاقات في محاولات “تثبيت” المرء لنفسه.

 

أعتقد أننا نحن الشباب بحاجة لمراجعة جادة لتعاطينا مع البيئة “الخارجية”، وأسلوب تفاعلنا مع كل جديد، تحديدًا ونحن نرى أن نسبة الاغتراب تزداد. كم لهذه التجارب، تجارب الاغتراب، على قسوتها، كم لها أن تثمر الكثير من الإنجازات لو استغلت بالشكل الصحيح.

لم يعش جبرا وأصدقاؤه منفصلين عن مجتمعاتهم، بل كانوا مدركين تمامًا لمفهوم “الأمة” العميق، وواعين أيضًا لدورهم المفصلي في إنعاشها، بطريقتهم على الأقل، يقول جبرا:

“كان ثمة إحساس في مطلع الخمسينات عند شباب الأدباء في بغداد، وكذلك، في بيروت ودمشق والقاهرة، بأن الجديد الذي بات عليهم أن يأتوا به إنعاشًا لروح أمة مهددة من كل صوب، يعطيهم الحق في أن يفرضوا نزاعاتهم الفكرية الانقلابية، إن هم اقتنعوا بمواهبهم المغايرة، على وسائل النشر السائدة يومئذ، رغم قلتها بالنسبة لما تحقق منها في العقود اللاحقة، دونما اعتذار لأحد من سابقيهم، متوقعين لأنفسهم، حتى وهم في بدايات الطريق، تلك الإنجازات التي ستجعل من جيلهم المغيّر النفسي والفكري الأهم في المجتمع العربي.”

عند الحديث عن جبرا، يصعب على المرء أن يعرف من أي مفصل يبدأ وعند أي مشهد ينتهي. الكثير من الجمال، والفن والحب المرسوم بألوان زيتيتة، أو موزون في قافية شعرية، أو هائم في رواية أدبية. العديد من المغامرات والتجارب المؤثرة والعميقة، وعالم أفكار من نقاشات الفلسفة الوجودية، وصولًا إلى اعتناق الإسلام.

أظن أن النهاية الأجمل تكون عند المقطوعة التي من وحيها خطّ جبرا “شارع الأميرات”. لقد كتب جبرا “شارع الأميرات” ليؤرخ لحقبة مهمة من حياته عنونتها “لميعة” ورسم تفاصيلها حبه لها.

والحديث عن هذه المقطوعة صعب عليّ. سأقول فقط ما قاله جبرا عن اليوم الأهم في حياته: “لم أعرف قط حتى ذلك اليوم، زواجًا كزواجنا يتحقق بمشيئتنا نحن فقط، لا بمشيئة أي إنسان آخر.

ولما دخلنا إلى مبنى المحكمة القديم، شعرت كم هي عادلة وإنسانية هذه الشريعة التي لا تطلب، تحقيقًا لعقد قران بين رجل وامرأة، سوى موافقة الواحد على الآخر، وشاهدين اثنين على ذلك”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد