بعد عامٍ تقريبًا من الإقامة الجبرية والرقابة اللصيقة المفروضة عليه من قِبل السلطان عبدالحميد الثاني، مات جمال الدين الحسيني الأفغاني في التاسع من مارس (آذار) عام 1897 بعد معاناته من مرض السرطان في غموض اكتنف أحداث وفاته وتشييعه، فبين مدعٍ أنه مات إثر مرضه وبين مدعٍ أنه تم قتله نتيجة تسميمه أو تعمد إهماله طبيًا تحت وصية السلطان، والشك يزيد حين جاءت التشديدات الأمنية لتتم جنازته في صمت دون حضور يُذكر رغم كثرة تلامذته وذياع صيته، حتى تم نقل جثمانه في العام 1944 إلى جامعة كابل.

مجيء السيد جمال الدين إلى الأستانة قبل خمس سنوات كان بدعوة سلطانية اختلفت التأويلات حولها بين من يراها ترحابًا بالعلماء والمجددين من قبل عبدالحميد الثاني، وبين من لا ينظر إليها إلا في إطار احتواء حركة ونشاط الأفغاني الذي ما ذهب إلى أرض إلا كان له أثره فيها، ويبدو أنه بعد حضوره إلى الأستانة لم ترق نصائحه لكثيرين من حاشية السلطان وللسلطان نفسه مما أودى به إلى الرقابة وتحجيم حركته حتى موته عن عمر 58 عامًا جال فيها الكثير من أقطار العالم الإسلامي.

ولد جمال الدين عام 1839 لأسرة سنيّة العقيدة حنفيّة المذهب الفقهي، يمتد نسبها إلى الحسين بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، كثير من الشبهات ترددت حول كونه شيعيًا لأنه ولد بقرية أسد آباد الشيعية، ولكن مؤخرًا حسم الدكتور محمد عمارة في دراسته حول جمال الدين الأفغاني هذا الشك، وأثبت أن ميلاده كان بقرية (أسعد آباد)السنية، بالاضافة إلى أن تراث الأفغاني وكتاباته تثبت بما لا يدع مجالًا للشك سنيّته وأن علاقاته بالمراجع الشيعية لم تكن إلا في إطار الوحدة الإسلامية التي كانت شغله الشاغل، بالاضافة إلى مقاومة الاستعمار الأجنبي سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.

يمكننا تلخيص جولاته فنقول إنه بعد التضييق الأمني عليه في بلده أفغانستان نتيجة مناهضته للحاكم (شير علي خان) بعد أن كان الوزير الأول لأخيه المنافس له للوصول لحكم البلاد = رحل إلى الهند التي احتفى به شعبها وطارده محتلوها الإنجليز حتى اضطر للرحيل سريعًا إلى القاهرة، في زيارة خاطفة لمدة شهرين أنهتها دعوة الخليفة العثماني عبد العزيز له للحضور إلى الأستانة لكنه ما لبث أن دارت خلافات بينه وبين علماء إسطنبول وعلى رأسهم شيخ الإسلام وقتها حسن فهمي، فعاد إلى القاهرة ليمكث بها ثماني سنوات التف حوله فيها جمع من التلامذة منهم محمد عبده وسعد زغلول ومحمود سامي البارودي وغيرهم، ولما خُلع الخديوي إسماعيل وجاء ابنه توفيق بعده الذي رغم حفاوته بالأفغاني قبل توليه الحكم إلا أنه ابتدأ حكمه بطرد جمال الدين الأفغاني خارج مصر بصورة مهينة، لم يتمكن الأفغاني وقتها حتى من جمع ملابسه وأغراضه وكل هذا لا بسبب إلا أنهم اتهموه بتثوير الناس ضد توفيق، فرجع إلى الهند التي مكث بها ممنوعًا من السفر حتى فشلت الثورة العرابية التي كان قوامها الأساسي تلامذة الأفغاني، فسُمح له بالسفر فرحل إلى لندن لينتقل منها إلى باريس ليدعو تلميذه محمد عبده المنفي في بيروت للقدوم إليه ويصدرا معًا مجلة (العروة الوثقى) التي كانت المنبر الأول في العالم للإحياء الإسلامي ومقاومة الاستعمار، غير أن التضييق استمر عليها حتى تم إغلاقها بعد وقت قصير إلا أن الأفغاني استمر في كتاباته للصحف المختلفة داعيًا إلى الجامعة الاسلامية والوقوف صفًا واحدًا ضد الاستعمار.

بعد سنوات ثلاث من مكوثه بأوروبا دعاه الشاه ناصر الدين الكجاري حاكم إيران عام 1886 وأكرم ضيافته، ولكنه لم يتحمل انتقادات الأفغاني حول الإصلاح والدستور وضرورة الوحدة مع العثمانيين حتى ضاق به ذرعًا ففي عام 1891 تم اعتقال الأفغاني من قبل القوات الإيرانية، فكتب من محبسه يحرّض المراجع الشيعية أن تقف ضد الاتفاق الاقتصادي بين الشاه والإنجليز مما أدى إلى إفلاس الشركة الإنجليزية، بعد خروجه من محبسه ذهب الأفغاني إلى البصرة ثم لندن مستمرًا في دعوته للجامعة الإسلامية كمظلة لوحدة الأمة ومقاومًا للاستعمار الأجنبي والسلطات الاستبدادية في كل البلاد الإسلامية إلى أن استدعاه السلطان عبدالحميد إلى إسطنبول ومنحه بيتًا كبيرًا وراتبًا شهريًّا وكان يستشيره في كثير من الأمور لكن هذا لم يدم طويلًا حتى كان ما ذكرناه في مطلع كلامنا.

لا يمكن لأحد إنكار فضل الأفغاني باعتباره أول رواد الحركة الإحيائية الإسلامية التي بذر بذورها بكتاباته ونقاشاته وجولاته في أنحاء العالم الإسلامي،والتي كان أبرز ثمارها تلامذته الذي قادوا طلائع الحركات الإسلامية من بعده في كل البلدان وأيضًا يُحسب له إحياؤه لروح التحدي والمقاومة للاحتلال الأجنبي، وهو أول من نادى بالوحدة الإسلامية باعتبارها أساسًا تتمحور حولها كل أنشطته.

كان الأفغاني هو الرائد الأول لمدرسة الإحياء الاسلامية التي تجمع بين التمسك بالأصول الاسلامية وبين مواكبة العصر والحداثة، فهي وسط بين العلمانية التي تتنكر للدين وتحتذي النموذج الغربي بكل تفاصيله وبين الصوفية والرهبانية التي تتفرغ لتمتمات الذكر وعمران المساجد وتظن أن هذا هو الدين كله.

لقد جاء الأفغاني في زمنٍ كانت نخبة الأمة كلها تقع تحت طائلة قانون ابن خلدون(المغلوب مولع بتقليد الغالب) فكانوا يرون أن سبيل النهضة الأقوم هو اتباع الغرب في كل إجراءاته للنهضة لنلحق بركبهم بدلًا من التأخر الحضاري الذي نُحبس فيه، حتى لو وصلت بنا هذه الإجراءات إلى هجر الدين وتشريعاته بالكلية أو حصره في الوظائف الشعائرية، فكانت حركة الأفغاني في كل البلاد مناديًا باتخاذ كل سبل النهضة تحت مظلة الإسلام التي لا تتناقض مع مواكبة العصر كما يظن بعض العلمانيين، وراح في كل كتاباته يوضّح هذه الحقيقة ويبرهن عليها بقوة بيانه وحجة أدلته التي كانت تقنع عقول تلامذته ومتابعيه قبل أن تأسر عواطفهم.

ولقد تحمل في سبيل فكرته المطاردة والحبس والإقامة الجبرية، وكان هذا لا يثنيه عن المضي قدمًا لإكمال مسيرة ينصح الحكام ويوّعي العوام ويشرح لطلبة العلم.

لا شك أن كثيرًا من تصوراته وأهدافه لم تخرج عن إطار الصياغة النظرية ولم يتمكن هو من إسعافها بصياغة حركية وتنظيمية تقوم به ا،إلا أنها كانت بداية ومنارًا لكل من جاء بعده يبغي خدمة الإسلام ومقاومة الاحتلال، فكانت كتاباته وصياغاته بمثابة لوحات إرشادية للسائرين في هذا الطريق من بعده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

وثائقي الإسلاميون-الجزيرة
كتاب جمال الدين الأفغاني:موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام-د.محمد عمارة
كتاب جمال الدين الأفغاني بين حقائق التاريخ وأكاذيب لويس عوض-د.محمد عمارة
عرض التعليقات
تحميل المزيد