إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. (آل عمران: 2)

قتل جمال خاشقجي في يوم لم يكن يتوقع فيه أن تكون نهايته على يد جلادي الظلام، في مكان كان يفترض أن تكون له قدسية وحصانة من الذبح والسلخ والتقتيل، إذ تحولت القنصلية السعودية في إسطنبول إلى مكان أشبه بمحاكم التفتيش ،حيث يحاسب الكاتب والصحافي والمثقف الحر على أفكاره وكتاباته التي توجع الأنظمة العربية القروسطوية، والتي يتزعمها النظام السعودي، والذي أنشئ في ظروف تاريخية معروفة للقاصي والداني على خطى مذكرات الجاسوس البريطاني مستر همفر.

جمال خاشقجي الكاتب والصحافي والمثقف الإصلاحي، الذي انتقد نظام بلاده بطريقة متوازنة وإصلاحية، واختار المنفى لكي يكتب بحرية، لم تتحمل دوائر القرار السعودي انتقاداته البناءة، وأفكاره العميقة التي تلامس الوعي الإنساني والوجداني للأمة، خاصة بعد تولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مقاليد الحكم، مهندس عملية اغتيال خاشقجي، وقد أحدث هذا الأمير تغييرات في النسيج المجتمعي لبلاد الحرمين، ونقلها من تشدد ديني إلى تشدد ليبيرالي لا يختلف عن أوله من حيث الشكل، وإن اختلف في المضمون، بدعم دولي واضح، خاصة من قبل الإدارة الأمريكية الجديدة؛ خدمة ﻷهداف سياسية واقتصادية، ولحسابات جيوسياسية، وكان خاشقجي أحد الأعمدة الفكرية والثقافية داخل المملكة، الذي يمثل التيار الإصلاحي، والتغييرات التي طرأت داخل المملكة خاصة بعد ثورات الربيع العربي، وسياسة المملكة التي خرجت عن سكتها وازدادت غلوًا وتغولاً وتآمرًا نحو ضرب الإرادة الشعبية العربية، بفعل آلاتها الإعلامية، ومنابرها الدينية المسيسة، وأموالها النفطية المختلطة بعائدات الحج والعمرة، وتحويلها إلى مفهوم خطاب «فتنة»، وسطرت لصفقة القرن التي هي ربيبة وعد بلفور المشؤوم، في تحد واضح للوجدان العربي والمسلم، ودعمها الديكتاتوريات العربية، ودمرت اليمن أصل العرب، وحولته من يمن سعيد إلى يمن بئيس تسوده الفوضى، والقتل، والمجاعة، والأمراض، في تماه تام مع سياسة ميليشيا الحوثي، إذ خدمت السياسة الخارجية السعودية «والتي تعد من أغبى السياسات الدولية» طموحات إيران وأهدافها ومآربها في المنطقة من حيث لا تدري.

كل هذه الملفات وغيرها كان خاشقجي ينظر إليها من زاوية إصلاحية، من خلال كتاباته ولقاءاته التلفزيونية، لعل وعسى أن تعتبر القيادة السعودية من منطق قوانين السنن والتاريخ.

فجمال خاشقجي كان يريد من خلال قلمه وكلماته أن يعيد إلى السعودية دورها الإقليمي الطبيعي في الدفاع عن قضايا اﻷمة، وإلى إحياء الإسلام المعتدل الذي لا يقبل التبعية، أو بتعبير جمال في أحد لقاءاته التلفزيونية إحياء الإسلام الإحيائي إلى منظومة الحكم بالسعودية، والتي تعيش اليوم إفلاسًا حقيقيًّا على جميع المستويات، وانكفاء في منظومة القيم الإسلامية التي شوهت بطريقة أقرب إلى مولود «مسخ»، وفقدت بوصلتها ووجهتها نحو الدعاة والمصلحين والنشطاء والمثقفين والزج بهم في غياهب السجون، إلا أن جمال، وبالرغم أنه خرج من بلاده خائفًا مترقبًا، ووجد حريته في بلاد أخرى، وأضحت صحيفة واشنطن بوست بوقه وصوته ومنبره إلى العالم العربي، فإن يد الغدر تمكنت من جمال في سياق أضحت فيه السعودية بقرًا حلوبًا للسيد ترامب، الذي طلب مرارًا وتكرارًا عبر دعاياته الانتخابية، ثمن حمايته للعرش السعودي، وهي تصريحات تسيء إلى أمة المليار أكثر مما تسيء إلى بلاد الحرمين بوصفها المركز المقدس لرسالة الإسلام، وبوصف آل سعود هم الأوصياء على هذه الأراضي المقدسة، وهذا دليل على أن النظام السعودي لا يستحق أن يكون مسؤولاً عن هذه الأراضي، ويا حبذا لو تكون هناك هيئة مستقلة تعنى بشؤون المشاعر المقدسة بعيدًا عن سياسيات النظام السعودي، الذي حول هذه المشاعر إلى ورقة ضغط سياسية في وجه أنظمة ودول وأشخاص، وكأن بيت الله الحرام ومقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أملاكهم الخاصة.

الضرب بالكف سهل إن صبرت له .. والضرب بالحرف دومًا يورث الهلعا
*عبد الرحمن القرضاوي

إن اغتيال جمال دليل على الإفلاس الذي وصلت إليه السعودية، ودليل على أن النظام العربي الرسمي يخشى الكلمة أكثر من خشيته الله؛ لأن معركة الوعي والتنوير أصعب من سلاح الحروب والدوافع المقيتة وراء قتل أي صوت أو قلم يغرد في الاتجاه المعاكس، تحفز الشعوب على اﻷخذ بزمام المبادرة، وإن لم يكن على المدى القريب فإنه مستقبلاً يكون من خلال مواقف ودماء مثقفيه نبراسًا نحو الانعتاق نحو الحرية والكرامة، ولنا في سنن التاريخ وقوانينه عبر ومواقف.

لقد أرادوا أن يكسروا قلمًا حرًّا، فأحيوا بذلك أقلام العالم كله ضدهم بجميع اللغات، ومن كل لون وذوق، وتحول جمال إلى أيقونة خالدة ستقض مضاجع الطغاة والظلمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد