من الموت إلى توزيع الأدوار

لا أظن أن هناك شخصًا قد ذُكر بخير بعد وفاته كما ذُكر جمال خاشقجي، فالجميع يتحدث عنه بالخير، سواء أكانوا أصدقاءه أو أقاربه أو الذين قتلوه. إنها جريمة القتل التي قلبت خشبة المسرح على المُخرج، وأعطت لضحيتها قوة النهوض من جديد روحًا تريد العدالة، فلم تبحث عن العدالة فقط بل جلست أمام رقعة العالم وأصبحت الشخصية المُوَزع للأدوار.

أراد قاتلوه أن يمحوه من الوجود، ويجعلوا من اسمه مجرد نقش على شاهد قبره ولقبه على أوراق المقالات المؤرشفة في مكاتب الصحف التي كتبها هناك. ولكن طموحهم تلاشى بقوة النهوض الغريب الذي صار عليه. لقد عاد جمال من الموت ووزع الأدوار، وأثر على الواقع استراتيجيًّا بطريقة غامضة، حتى أنه تمكن من نزع الأقنعة الهالوينية من على وجوه مومياوات مشوهة تتحكم في مقاليد العالم، بل إنه أظهر الزواحف -بلغة دافيد إيكه- التي تختفي تحت الجلد الإنساني.

إنها عودة، قد تبدو أمامها عودة العنقاء مجرد سخافة هزيلة، إنه عاد وفي يده مطرقة ثُور التي هز بها الأرض من تحت أقدام قاتله. ولكن كيف فعل ذلك؟ الجواب جلي على ما أظن. لقد فرق الأدوار.

فرق الأدوار إذًا، نعم، أعطى السعودية دور المتهم المُدافع، والجزيرة دور أمين الشاهدين، وتركيا دور قاضي التحقيق، بينما أمريكا تتأرجح بين رأي دفاع الضنين والمُدعي العام، في حين أخذت المعارضة السعودية دور ذوي الحقوق المنسيين الذين أعاد جمال ملفهم إلى الواجهة، أما الكُتاب مثلي فَإدمانهم على الكتاب يجعلهم هنا حتما. وجميع هؤلاء اللاعبين، يحاولون أن يربحوا الرأي العام إلى جانبهم، الذي يبدو أنه اتخذ موقفًا هنا، وهو أنه مع المبادئ.

لقد تخربت سمعة السعودية باعتبارها دولة بسبب هذا النهوض المفاجئ للمقتول، ورغم أن هناك محاولات لإبعاد الضربة القاضية عن رأس الليفياثان -بلغة توماس هوبز- إلا أن السمعة قد تلاشت، ويمكنني أن أصفها بأنها صارت كسمعة أمريكا خلال حرب فيتنام، لكن أظن أن الليفياثان لا تُهمه السمعة وإنما ما يسعى إليه هو إبعاد التأثيرات الجانبية للنهوض المفاجئ، عن رأسه المقدس، لهذا يبحث عن طُرق لإنجاح ذلك.

ومن هذه الطرق المحتمل اتخاذها، نجد أسلوب تحويل الانتباه من حدث النهوض إلى حدث آخر قد يكون على شكل تفجيرات هوليودية داخل السعودية نفسها (مجرد مثل وليس تنبؤا)، وهناك أيضًا طريقة إثارة العاطفة، أو طريقة إخفاء المشهور إلى حين خفوت أصوات الإدانة. على كل حال، فإن الليفياثان السعودي يلعب على عامل النسيان، إنه يسعى إلى تملك الزمان.

ومع ذلك، فإن السعودية (دولة) تحاول أن تستميل قاضي التحقيق إلى جانبها، وتركيا هي التي تلعب هذا الدور بطريقة ذكية، بل يمكنني أن أقول بأنها ماكرة، فهي التي تُحيط بمسرح الجريمة وهي من تملك الأدلة، بلغة أخرى إنها تملك المكان إن كانت السعودية تسعى إلى إمتلاك الزمان.

إن تركيا بامتلاكها لهذا الناموس الكوني فإنها كمن يملك خشبة مسرح لاعب الخفة، فهي تعلم بأمر كل الخدع، وكل تحركات اللاعب، لهذا يمكنني أن أقول بأنها اللاعب الرسمي في هذا التوزيع الذي أحدثه جمال.

تستغل تركيا هذا النهوض بطريقة استخباراتية وسياسية تُؤكد على مدى عمق الرؤية لدى ساستها، فبعيدًا عن كل عاطفة، وبتبني الواقعية السياسية، فإن تركيا لا تفعل ذلك حبًا في جمال أو حبًا في العدالة، وإنما لإفناء أحد أسوأ المعارضين الذي خربوا المنطقة وأثَّروا سلبًا على الرؤية المستقبلية التي رسمها الأتراك، والتي تسعى من خلالها لإعادة الحلف العربي التركي من جديد. إذن تركيا تستغل الحدث ولا تسعى للتحقيق، ولكن تستغله ليس لصالحها فقط، وإنما أيضًا للقضاء على عدو تعتبره عدوًا للرؤية الاستراتيجية التي رسمتها.

أما الجزيرة، ففي يدها أقوى سلاح صنعته البشرية على الإطلاق، إنها الكاميرا، ولكن كاميرا الجزيرة تمتلك تعويذة الانتشار في الوطن العربي، مما يجعل تأثيرها أقوى على الرأي العام (المحور الذي من أجله يسعى الجميع). فكاميرا الجزيرة لها سُمعة تاريخية جيدة نسبيًا مقارنة مع سمعة باقي الكاميرات في الوطن العربي، فهي الوحيدة في هذا العالم التي تقبل الرأي الآخر، وأيضا الوحيدة التي تنقل كل ما يحدث، ولم يحدث غالبًا أن زيفت الوقائع، إن قارناها بالكاميرات الأخرى، لهذا يُحتفى بها وسط الرأي العام، مما يجعل دخولها في قضية هذا النهوض له قوته التي لا يجب الاستهانة بها أبدًا.

ومع أن الجزيرة مع الادعاء العام في تبني الرؤية (ضمنيًا) التي تُدين رأس الليفياثان السعودي، فإنها مع ذلك لا تفعله (واقعيًا) حبًا في جمال وإنما لحسم حساب مرير كانت اللفياثان السعودي قد بدأه ضدها. فأن تجعل الكاميرا الجزيرية من حدث النهوض قضيتها المركزية فهذا يطرح علامات استفهام نقدية؛ ماذا لو كان المُتهم هو رأس ليفيثان آخر تعاطف مع قطر في محنة الحصار؟ فهل ستكون لمسألة النهوض مثل هذه المركزية؟

لا يمكنني أن أحكم فالحكم أسهل من دخول المرحاض، ولكن لا شريعة تمنعني من طرح السؤالين أعلاه.

ورغم كل هذا، فإن القضية ستكون ناجحة ما دامت إلى جانب الادعاء العام، فحتى لو نجا الرأس من القطع، فإنه سيكون ملاحقًا بلعنة الرأي العام.

لهذا يرى اللفياثان السعودي في نجاة الرأس أمرًا صعبًا، يتطلب قوة داعمة، لحماية الرأس، لهذا تَطَلب الأمر من التنين المقدس أن يُقلد التمساح في طريقة الاستعطاف، فهَمَّ بالفعل في عملية الاستدماع، ليس أمام الفريسة وإنما أمام المفترس الأكبر في السلسة الغذائية، إنني أقصد أمريكا طبعًا.

لكن أمريكا هنا، تتأرجح بين الادعاء العام، ودفاع الضنين، وهذا إن دل عن شيء، إنما يدل على أمرين، أولًا الديمقراطية التي تتقبل الرأي الآخر عكس الذي يستدمع أمامهم الآن، وثانيًا تدل على هشاشة قوة الاهتزاز الذي أحدثه النهوض. فأن ينقسم المجتمع الأمريكي بتناقض بمثل هذا الشكل (أسوأه كان خلال تحرير العبيد)، فهذا لم يحدث سوى في مناسبتين؛ أولًا أثناء تطبيق النظرية الكينزية في الاقتصاد الأمريكي من طرف فرانكلين روزفلت بعد الكساد العظيم، والثانية خلال حرب الفيتنام.

وفي الأخير من سيكون الفائز في هذا التناقض بين الادعاء العام ودفاع الضنين؟ لا أحد يعلم، ولكن الأغلب الأعم، يعلم بأن دفاع الضنين لا يعمل مجانًا، وإنما يعمل بكل الطرق الدنيئة لمَسِّ جيب ضنينه.

أما المعارضة السعودية فقد عاد ملفها المنسي إلى الواجهة، وليس هذا فقط، بل شكل لها النهوض الغريب لجمال في أن يبنوا صورتهم الواجهية للتعريف بأنفسهم عالميًا، فهم الآن أصبحوا بفضل جمال، مرتبطين حول المصير المشترك الذي رسمه النهوض له، فقد صاروا الآن مشهورين وقضيتهم أخذت تلقى صدى، كان الليفياثان السعودي يحاول إخفاءه. وهذا بالفعل سيؤثر على الوسط السعودي، عاجلًا أم آجلًا. والمستقبل سيحكم طبعًا.

أما الكتاب، كما قلت، مدمنون على الكتاب، وهذا الإدمان يجعلهم كالمهووسين، يبحثون عن أي حدث ليخلقوا به عالم، يا لسوء حظ من كان فيه مذنبًا.

ونأتي في الأخير إلى الكيان العظيم، الذي يملك القوة المهيبة، مع أنه لا يعرف طريقة استخدامها، ولا مدى عظمتها في تغيير التاريخ. إنني أتحدث عن الرأي العام، الذي لم يستطع حتى الفرعون الذي قال «أنا ربكم الأعلى» أن يتجاوزه حين أراد القضاء على النبي موسى. فالجميع يسعى إلى استمالة الرأي العام إلى جانبه ليربح المعركة. ولأن الرأي العام هو الوحيد هنا، الذي يتبنى القيم والمبادئ دائمًا بعيدًا عن المصالح، فهو الطرف الطيب الساذج هنا كما يصفه غوستاف لوبون. إلا أنه الجانب الذي يملك مفاتيح التاريخ ليرمي هذا إلى الجحيم وهذا إلى النعيم وهذا إلى المطهر.

فالرأي العام هو الشرعية التي تُعطي لأي قائد قيمته، فهِتلر لم يسقط لأنه خسر الحرب وإنما لأنه فقد الشرعية كما قال فرانسيس فوكوياما. إذًا الرأي العام هو الجانب الوحيد هنا الذي يحمل المبادئ، فحتى لو كان شخص داخل تركيا (باعتبارها دولة) أو الجزيرة أو المعارضة يتحدث عن القضية بمبادئه فإنه ضمن الرأي العام، وليس ضمن الكيان الذي ينتمي إليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد