قال الصحافي السعودي الراحل جمال خاشقجي – رحمه الله – اليوم السياسة السعودية ترى مصالحها في مواجهة الإسلاميين من الإخوان المسلمين وغيرهم، الذين يُفترض أنهم حُلفاءٌ لها تاريخيًّا، وأنا عندما أسمع سعوديًّا يُهاجم الإسلام السياسي، أٌقول له إن السعودية هي أب وأم الإسلام السياسي، وهي قامت على فكرة الإسلام السياسي، التحالف الذي قام بين الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – وبين محمد بن سعود هو إسلام سياسي مئة في المئة

كان لا بُدَّ لِجمال أن يختفي من على وجه الأرض حسب الطاغية محمد بن سلمان، بسبب أن صوته بارز وقلمه عالمي، ومعارضته متوازنة، وعلاقاته واسعة ومُتشعِّبة وعميقة، مُناصرٌ للديمُقراطية ويحب الربيع العربي ويتسامح مع مُخالفيه، ويؤيِّد العائلة الحاكمة، ويؤمن بحرية الرأي والتعبير، وينصر المعتقلين، فلا يستطيعون تشويهه

كانت حياته مُزعجة لولي العهد منذ استلامه ولاية المملكة، ومثَّلت حياته كل ما يُمكن لأن يكرهه النظام السعودي، حتى أتى مشروعه الأخطر على الإطلاق «منظمة DAWN» فكان بمثابة حكم إعدام واجب النفاذ! وعندما عرف ابن سلمان بالمشروع أعطى الضوء الأخضر لاختطافه، الذي أدَّى لمجزرة في غرف السياسة السعودية في إسطنبول، وكتب نهاية صحافي المملكة الأبرز في العالم للأبد.

حتّى عام 2017 كانت مُعارضة خاشقجي مُعتدلة ومُتوازنة.

خاشقجي وآل سعود

خلال وجهه القومي المُحبِّ للمملكة صادق أعضاءً بارزين من آل سعود في الثمانينيات، واقترب على مدار عشرين عامًا من الأمير تُركي الفيصل، الرئيس التاريخي للاستخبارات السعودية، وعاداه بعضهم أيضًا مثل نايف بن عبد العزيز آل سعود، وزير الداخلية الأشهر، الذي أطاحه من رئاسة الوطن بعد 52 يومًا من إدارتها.

وجه جمال الإصلاحي

أيَّد جمال إصلاحات الملك عبد الله وكان قريبًا منه، ودافع عن قصف المملكة للحوثيين المجرمين الشيعة «شمال اليمن، وكتب عشرات المقالات المؤيِّدة للنظام الملكي السعودي وقتها.

وجه جمال الثوري

أيَّد الراحل جمال ثورات الربيع العربي وكان مُناصرًا لها، ولم يُعادِ الإخوان المسلمين كحُكَّامه، وآمن بُحرية الجميع، وعندما تولَّى سلمان المُلك كان مُتفائلًا بعهده الجديد، مؤيّدًا في عام الملك الأول كل شيء فعله من عاصفة الحزم لقطع العلاقات مع إيران، وحتّى رؤية 2030، لم يكن هناك ما يثير قلقه، وكانت الرياض في عهده تسير واثقة الخُطى.

محمد بن سلمان والراحل جمال

بدأ ابن سلمان بسط قبضته الأمنية بلا رحمة، بادئ ذي بدء كانت معارضة جمال متوازنة وحذرة وصحبها دومًا تأييده لولي العهد ابن سلمان، ونصحه له وكذلك في رؤيته لـِ2030، في حملاته الاقتصادية، وكذلك التي على الفساد، وبعد أيامٍ من هذه الأمور، كان يرى أن تصرُّف ابن سلمان صحيح وأنه لا يسعى للسلطة لأنه يمتلكها بالفعل، وبينما نادى جمال بإنهاء الحرب في اليمن فقد كان المُدافع الأقوى عن المملكة – حفظها الله من الشرور – كان مُطالبًا لأمريكا بالتدخل للسلام، مع الأصوات القائلة بمنع تسليح المملكة ومُعاقبتها دوليًّا، إلا أن هذه الأمور جميعها لم تشفع له.

المواجهة بين جمال وابن سلمان

منذ شهر يونيو (حزيران) عام 2017 عرض مسؤولون سعوديون رفيعو المستوى على الصحافي البارز جمال أن يعود لبلاده، مع وعدهم له بالحماية الكاملة، ومنصب رفيع المستوى في الحكومة، إلّا أنه لم يأمن جانبهم ورفض العروض كُلّها، وبدأ جولاته لتأسيس مشروعه الجديد «ديمقراطية العالم العربي»، هذه المنظمة المُناصرة للديمقراطية غير حكومية ومستقلة، هدفها الأوّل تعزيز الديمقراطيات وحقوق الإنسان في عالمنا العربي، تلك التي أثارت الذعر لدى النظام السعودي، لكن تفاصيلها كانت أكثر خوفًا بالنسبة لهم، خرجت المنظمة للنور في يناير (كانون الثاني) عام 2018 بأمريكا، وهدفت بدايةً لإحياء سمعة الربيع العربي في الغرب، ولتقديم رواية أخرى عنه، وخططت المنظمة لاستقطاب أكبر عدد من الرجال المؤثرين في كافة المجالات وصنَّاع القرار، ووضعت نصب أعينها جمع منفيي الربيع العربي من شتّى بقاع الأرض، ورسمت سياستها لمراقبة دول الشرق الأوسط الغارقة في الديكتاتورية والقمع، ولانتخابات نزيهة حرّة في كل البلاد العربية، أمّا مقعد رئاسة المنظمة فقد كان من نصيب جمال، بدأ جولاته لجمع المال لتمويل المنظمة من أثرياء الخليج العربي في الخارج، من يمكن لهم أن يتحمّسوا لأهدافها النبيلة، لكن على الضفّة الأخرى لم يكن ليسمح بذلك أبدًا.

سرعان ما عمل ابن سلمان على إغراء جمال وإقناعه عن طريق معاونيه للرجوع للمملكة، ومن ثم اعتقاله واختفائه ربّما للأبد، لكن الصحافي كان أكثر حذرًا من ذلك، حتّى أتته النصيحة من واشنطن أن يذهب لإسطنبول لإنهاء معاملاته الرسمية، وهُناك كانت كتيبة الاختطاف بانتظاره، والتي تحوّلت لعصابة قتله، دخلوا تركيا بجوازات سفرهم الدبلوماسية وطائراتهم الخاصّة واستغلّوا القوانين الدولية ووجودهم على أرض سعودية رسمية وهي القنصلية وغيّبوا خاشقجي للأبد.

تمامًا كعادة ولي العهد مع مُعارضيه،قُتل خاشقجي وانتفض العالم وأنكر ابن سلمان كل الدلائل الواضحة، لكن قصة أستاذ الصحافة المُخضرم لم تنته، وصوته وكلماته ستظلُّ في أذن الجميع بلا نهاية.

قال رحمه الله:

نحن كصحفيين لا يُمكن أن نكون مُحايدين تلك لحظة فاصلة في عالمنا العربي، التي يجب علينا أن نُسجّل موقفًا حاسمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

خاشقجي, سعود

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد