تمهيد لا مفرّ  منه

في البدء كانت الهبّة، والقصد هنا ذلك التدفق الجماهيري الكبير الذي رأيناه في ميادين مصر وشوارعها المختلفة طيلة ثمانية عشر يومًا، وأصبح طوفانًا أطاح ببساطة بنظام تحللّ بفعل الزمن، والهبّة هي الهيجان أو الفوران غير المنظّم الذي يفتقر للعقل المدبّر ويعتمد الفعل العفوي، فلما سقط النظام المباركي وتداعت أركانه، انفضّ الجمع بعد أن اختلفوا فيما بينهم، دانت الثمرة فذهبت لمن يتربصّ بها، ثم عاد كل شيء سيرته الأولى.

أثر الفراشة

قيل إن خفقة واحدة من جناج فراشة في مكان ما قد تؤدي لتداعيات تصل لدرجة الكارثة أو تقاربها في مكان آخر. وأن الحدث الصغير، على الرغم من تفاهته، قد يُحدث تبعات جسام. لدرجة تصح معها مقولة أنه (لو علمنا الغيب لاخترنا الواقع).

التداعيات التي نراها الآن بمنطقة الشرق الأوسط وربما تمتد آثارها للعالم بكامله كما لو كانت موجات عملاقة متلاحقة ومتلاطمة تضرب في كل اتجاه، فقد انطلقت الشرارة الأولى، بمتغير صغير وحدث أصغر، بدأ الفعل في تونس، بصفعة تلقاها الشاب بوعزيزي صبيحة يوم 17 ديسمبر عام 2010 من أحد رجال الأمن (ودون أن ندخل في تفصيلات الواقعة والتي تحدث لعشرات الآلاف من المواطنين بأرجاء العالم العربي على أيدي رجالات السلطة)، قام بوعزيزي بإحراق نفسه يأسًا أو إحباطًا أو بتأثير الإحراج والإهانة التي تلقاها من شرطية، قوة وتأثير الميديا وقتها لا يمكن إغفالها؛ فقد كان لها دور المحفّز والمسّرع للأحداث والتي توالت بداية من تونس، ثم مصر، وليبيا ثم سوريا.. كثورات نعتبرها أقرب للثورات أو ثورات منقوصة غير مكتملة، ثم سرعان ما انتشرت آثارها كموجة عملاقة أخذت تضرب – ولا تزال – بلدان العالم أجمع، وإن كانت ضرباتها تتفاوت قوتها وحدّتها.
بدأ تأثير رفّة جناح الفراشة في عهد مبارك في العام 2001، حينما اتخذ قرار بالتوسع في توزيع الحواسب الآلية على الجمهور من المواطنين بأسعار زهيدة وبالتقسيط من خلال مبادرة حاسب لكل بيت أعقب ذلك توسع مواز في خدمات الإنترنت المجانية (بدلًا عن تلك مرتفعة التكلفة من خلال خطوط الهاتف) لعل الغاية كانت مشروع تقني يستفيد منه بضعة من رجالات الأعمال أولًا، ثم إلهاء للناس ثانية، التداعيات وصلت ذروتها في أحداث يناير 2011 حينما نشأت وظهرت أجيال من الناس تمكنت من تطويع التقنيات الحديثة في التواصل والحشد وتمرير الأفكار بصورة تجاوزت الطرق العقيمة لأجهزة مبارك الأمنية.. في النهاية أطاحت مبادرة حاسب لكل بيت بمن أطلقها وبنظام بكامله.
وقوع نظام مبارك بدأ بقرار اتخذه النظام قبلها بعشرة سنوات كاملة..وبيده لا بيد عمرو اختار نهايته بتقنيات حديثة، ربما كانت الغاية وقتها إلهاء الناس، وبخاصة الشاب، وإبعادهم عما يعكر صفوه وأمنه.
فماذا لو كان هؤلاء أكثر تعقلًا وتبصرة بمجريات الأمور وأكثر حنكة في قراءة التاريخ وحوادثه؟ ماذا لو قُدّر ألاّ ترف فراشة بو عزيزي بجناحها بالصورة التي رأيناها؟
الكثير من الحوادث البسيطة نراها في حياتنا ويتصرف أصحابها وفق منهج ورؤية مُحكمة لكن تتدخل الأقدار وبسخرية وتطيح بآمال ومخططات هذا وذاك ليصبح المشهد عبثيا في الظاهر، لكنه يمثل درسًا بليغًا، وتأكيدًا أن الرياح كثيرًا ما تأتي بما لا تشتهي السفن.

تتذكر شعوب المنطقة وزعماؤها القول المأثور الذي نمرّ عليه مرورًا عابرًا (لو علمت الغيب …) فهل لو أدركنا أو علم هؤلاء ما كان غائبًا عنهم، فهل كان بمقدورهم إيقاف عقارب الساعة ومنع الفراشة أن ترفّ بجناحيها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد