يظلّ سحر الآداب والفنون كامنًا في قدرتها على اختراق حجب الإنسان فتسبر غوره، والمكان فتهتك ستره، والزمان فتفض طيّات وتلافيف دورانه، صانعًة مزيجها الفتانّ من الرؤى والحكي والأسئلة المزعجة.

تحكي رواية «الجنقو: مسامير الأرض» للروائي السوداني «عبد العزيز بركة ساكن» المثيرة للجدل عن شريحة الجنقو التي تشبه في بعض البلدان العربية «عمال الترحيلة»، فتكشف عن معاناتهم اليومية مع ذواتهم، ومع المستغلين الأثرياء الذين يستنزفون شبابهم ليزدادوا ثراءً بتواطؤ من المؤسسات الحكومية.

بنية الرواية أشبه بدوائر حلزونية متداخلة ما إن تضع قدمك في أول دائرة منها حتى تُسحب إلى المركز حيث تضيق الدوائر شيئًا فشيئًا، وكأنها تعصرك لتخرج منك سموم زيف المعاني والمعايير، فتخرج منها كائنًا شفافًا يدرك أنَّ النور يشرق أيضًا من قاع المجتمع وقعر الحياة.

في سجن القضارف شرقيّ السودان -البلدة التي شهدت أحداثًا مثيرة في الأيام الماضية- عاشت شخصيتان رئيسيتان في الرواية طفولتهما ولكن في ظروف مختلفة؛ فالأول والده من عساكر السجن والثاني ابن لسجينة.

وهكذا مباشرة يتداعى إلى الذهن أنَّ البيت/الوطن سجنٌ؛ وسواء كنت سجانًا أو مسجونًا فأنت محكوم داخل جدران الوطن/السجن.

شخصيات الرواية

يتداخل الحكاؤون في الرواية فهي رواية ديمقراطية إن شئت، لا تسمع فيها صوتًا واحدًا يحتكر سلطة السرد فيفرض عليك زاوية واحدة للرؤية كما هو الحال في مجتمعاتنا العربية، ومن هنا فإنك سوف تسمع صوت «ودّ أمونة» ابن المسجونة جنبًا إلى جنب مع ابن السجان.

الجنقو

أول ما سوف تطالعه عيناك عند قراءة الرواية وصف مُفصَّل للجنقو ودورة حياة الجنقوجواري في فصول السنة؛ إذ يختلف اسمه باختلاف المهمة التي توكل إليه مثل العمل في مصانع السكر أو تنظيف الأرض الزراعية.

 الْجَنْقُو يتشابهون في كل شيء، يقفزون في مشيهم كغربان هَرِمة ترقص حول فريستها، يلبسون قمصانًا جديدةً، ياقاتها تحْفَلُ بالأوساخ التي عَمِل العَرَق، وعملت الشمس، وريح السَّمُوم، والتُّربة الطينية السوداء على جعلها شاهدًا على صراع مرير مع المكان، والطقس، ولقمة العيش.

ابن السجان

ابن السجان صاحب اللسان الحاكي الأول في الرواية؛ يعرفنا أنه خرج وصديقه للتجول في أنحاء السودان بعد أن طردا من وظيفتهما قبل خمس سنوات للصالح العام، ولا يجد حرجًا أن يخبرنا عن فقره وعن تكفل صديقه بمصاريف الرحلة.

ورحلة ابن السجان بدأت ولم تنته، إذ أنّه يبقى في الحلة ليصبح جنقوجواريًا ينخرط في حياتهم ويتزوج منهم ثم يثور ثورتهم حتى يضطر إلى الهرب مطاردًا من بلده.

ود أمونة

سوف تلتقي بود أمونة في الصفحات الأولى للرواية ليتأكد في ذهنك أن ابن السجينة يملك الحق تمامًا كابن السجان في الظهور المبكر، وسوف تفاجأ بأنه الشاب الأكثر وسامة ونظافة وأناقة في المكان لكن هل يدل المظهر دائمًا على الجوهر؟

تطور شخصية ود أمونة من العمل في بيت الدعارة إلى أن يصبح وزيرًا اتحاديًا في الدولة يفضح حقيقة البيئة السياسية التي تتطلب مهارات ومسوغات أخرى غير الكفاءة والأمانة.

ألم قِشْي

من الشخصيات المؤثرة في مسار الأحداث الحبشية (ألم قِشْي) إحدى فتيات الدعارة، والتي نجحت في حل أزمة البطل مع النساء لكنه يكتشف لاحقًا أنها من بنات الجنّ، وكأن أزمته ما كان لها أن تنفرج إلا بيد قوى خارقة!

الأم أَدِّي

رغم ظهورها النادر فإن حضورها الطاغي في كلّ وقت مدخل ضروري لفهم الرواية.

 لا يعرف الناس شيئًا حقيقيّا عن الأم؛ لافتراضهم الخاطئ بأنهم يعرفون عنها كل شيء؛ بالتالي لم تُحكَ عنها حوادث، أو أشياء مُدهشة، ولم أسمع أحدًا يتحدث من قبل عن حياة أَدِّي؛ ماضيها، أسرتها، بلدها، ولا حتى اسمها الحقيقي، فلقد كانت مثلها مثل كل الأشياء المعتادة كالماء، والسماء، والليل، والنهار.

الصافية

نموذج ناجح استطاع أن يقدم الروائي من خلاله التشوه الحادث في الطبيعة الإنسانية بسبب المعاناة اليومية وشظف العيش وتسلط الفقر والقهر على هذه الشريحة في المجتمع.

فرغم ما يوحي به اسمها من جمال وسماحة، فإن ما يدور حولها من حكايات مرعبة مثل تحولها إلى وحش كاسر أثناء الجماع أو كونها ليست أنثى بالأساس وإنما تحمل أعضاء مزدوجة للجنسين، وهروب عشاقها واحدًا بعد الآخر يفهمنا ما تؤول إليه نفوسنا بعد رحلة المعاناة في هذه البلاد.

الصافية وذلك حسب النتائج التي خرج بها ما يشبه المؤتمر في بيت أداليا دانيال الصيف الماضي لها شخصيتان؛ شخصية ظاهرة، وهي الشخصية التي نعايشها يوميٍّا وهي الغالبة، وشخصية أخرى لا تظهر للأعين فيما يبدو إلَّا إذا أثيرت عاطفيٍّا فقط؛ لأنها حتى في لحظات الغضب لا تبدو عليها أي تحولات شاذة أو غريبة.

ولكي يؤكد الكاتب على هذا المعنى –وربما غيره– نلحظ أن اسم الصافية نفسه مثار جدل بين أهل (الحلّة) فبينما تزعم الصافية نفسها أن جدتها أول من جاء إلى المكان واستعمره، تناقضها روايات أخرى أنها لقيطة منحتها إحدى الأسر هذا الاسم أثناء تربيتها.

مختار علي

أمّا مختار علي فيمثل المصير المحتوم لكل جنقوجواري تكلّ يده عن العمل أو ينال منه المرض والشيخوخة فيتوجب عليه أن يذهب بقدميه إلى شجرة الموت ليسلم نفسه إلى النهاية حتى لا يكون عبئًا على هذا المجتمع الذي بالكاد يجد قوت يومه.

أماكن الرواية

تتعدد أماكن الرواية مع تشعب أحداثها لكن يظل سجن القضارف وبيت الأم أَدِّي المكانين الرئيسين ومركزي الأحداث الهامة، ففي لفتة دالة يأتي عنوان الفصل الأول من الرواية «بيت الأم» بينما عنوان الفصل الثاني «السجين والسجن والسجان».

بيت الأم

والأم هي الأم أَدِّي المقاتلة السابقة في الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا التي اعتزلت العمل الثوري لتفتح ماخورًا للدعارة!

وبيت الأم إدي هو الوطن الحقيقي للجنقو ولكل غريب يأتي إلى (الحلّة) ليس فقط لكونه عامرًا بالنساء والشراب والغناء ولكن لأنه المنتدى الرسمي للاجتماعات؛ فهي أم الجميع دون تفرقة بين مسلم أو نصراني أو يهودي، أو وافد أو مقيم، أو رجل أو امرأة، أو غني أو فقير ونفهم ذلك من حوار مبكر في الصفحات الأولى.

إنتو ما مشيتوا بيت الأم، معقول؟ لازم تمشوا بيت الأم.
قلتُ: بيت الأم؟ أم منو (من)؟
قال: نعم، بيت الأم، أمُ الناس كلهم.

سجن القضارف

سجن القضارف المعادل الموضوعي لبيت الأم أَدِّي؛ فإذا كان بيت أَدِّي ملاذًا للغرباء وواحة يستظل بها المتعبون في هذه الحياة، وهو الوطن الشعبي إن صح التعبير للكادحين المسحوقين فإن سجن القضارف يمثل الوطن الرسميّ حيث نجبر على حياة تفقدنا إنسانيتنا فضلًا عن حريتنا.

في زول في القضارف ما شاف السجن؟!

ففي القضارف يدخل المرء السجن رضيعًا، ويدخله ماشيًا، وفي سجن القضارف يخسر الرجل رجولته كما حدث لودّ أمونة، وفي سجن القضارف يصلي المساجين جبرًا صلاة جماعية، ويستمعون جبرًا إلى عذاب يوم القيامة الذي سيطال الجميع خاصة ((من لم يطع الحاكم السياسي)).

الرواية ونبوءة الثورة في السودان

عندما يقرر الجنقو تطوير حياتهم والرقي بها بعيدًا قليلًا عن خط المعاناة والفقر حتى الموت، يرفض البنك إقراضهم رغم أنه يقرض كبار التجار وأصحاب الأراضي، فتبدأ انتفاضتهم الأولى ضد هذا العسف والتعنت، وسرعان ما تتسع رقعة الاحتجاجات عندما تنحاز الحكومة ضدهم، فتصبح الانتفاضة ثورة ثم حربًا مسلحة بين الجنقو من ناحية والحكومة من ناحية أخرى.

الرواية ماتعة بشخصياتها وأحداثها وأماكنها الفريدة، وإن كان يعيبها الإفراط في اللهجة المحلية التي حاول الكاتب أن يفسّر بعضها عرضًا لكنها لن تمثل عائقًا كبيرًا أمام القارئ الذي لا بد سينصهر في بيئتها الحيّة ومفرداتها الثرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد