«أخي إن لم نحترق أنا وأنت، فمن سيضيء الطريق؟»، بهذه الكلمات حث تشي جيفارا رفقاء النضال لاستنهاض هممهم، وحثهم على الثورة والتمرد على الظلم والعادات الاجتماعية وعدم المساواة والاضطهاد الواقع عليهم؛ حتى أثقل كاهلهم، وقد ظلت جذوة النضال تلك متقدة حتي تلقفتها أيادي الثوار العرب الذين حولوا شتاء يناير إلى ربيع، ولكن لم يلبث هذا الربيع أن تحول إلى شتاء قاس مجددًا أهلك الحرث والنسل وترك البلاد متشظية تعاني من تبعات ذلك الربيع.

ليس غريبًا أن تكون الشرارة التي أشعلت الثورات نارًا حقيقية تحرق جسد المواطن التونسي في مدينة سيدي بوزيد تلك النار التي أحرقت قلوب كل التونسيين، ودفعتهم دفعًا للخروج من بياتهم الشتوي والثورة على نظام الرئيس بن علي، وكأن هذه النار قد ذكرتهم أخيرًا بنير الظلم الذي عانوا منه لسنين طويلة، حيث عانى التونسيون من الفساد وإهدار الثروات والعيش غير الكريم لتقوم شرطية بكتابة الفصل الأخير من القصة بصفعها للشاب التونسي الذي صار لاحقًا رمزًا للثورة بعد أن غذاها بنار ألهبت جسده، ليكون رد الرئيس بن علي عليهم: «أنا فهمت الآن»، والذي يبدو أنه كان يعاني من مشكلة فهم طوال سنوات حكمه لشعبه.

مصر التي كانت دومًا لاعبًا فاعلًا في المشهد العربي، لم تكن بعيدةً عن هذا الحراك، حيث ظلت شعلة النضال مشتعلة، وصارت كالشعلة التي تستخدم في دورة الألعاب الأولمبية، والتي يتم تسليمها للدولة التي سيكون عليها الدور في استضافة الألعاب، اشتعال الثورة في مصر أغرى الكثيرين لركوب تيارها، عسى أن يحظوا بمكاسبها لاحقًا، ومن المعروف أن الثورات يصنعها الشجعان، ويحصد ثمارها الشجعان، ومن الغريب أن ثورة مصر كانت على الحكم العسكري أو على حاكم بخلفية عسكرية، وكان من أهم مكتسباتها انتخاب حاكم مدني أول حاكم من خارج المؤسسة العسكرية، ولكن ما لبثت أن  تلاشت هذه المكاسب بعودة الجنرالات للحكم مرة أخرى.

منذ أن اختطف القذافي الحكم من الملك إدريس السنوسي لم تشهد ليبيا مثل هذا الحراك الثوري الذي استلهمه الليبيون من جيرانهم في تونس، حيث كانت ليبيا تعد من أفضل البلدان من حيث مستوي المعيشة والرفاهية التي وفرها القذافي لهم مقابل أن يسلبهم حرية التعبير، وقد بلغت ليبيا من العيش الرغيد حد أن أجرى لهم الرئيس القذافي نهرًا صناعيًا يروي ظمأ صحراء ليبيا المتعطشة للمياه، كانت ثورة الشعب الليبي فاشلة بكل المقاييس؛ حيث كان من أهم نتائجها أن ليبيا ظلت بلا حكومة واحدة تحكمها لسنوات، بل إن القبلية عادت للظهور مرة أخرى بعد انتشار السلاح في أفراد القبائل الذين استخدموه لتصفية حسابات قديمة والثأر لأشخاص  شبعوا من الموت، وإذا علمت عزيزي القارئ أن ثورة الشعب الليبي كانت ضد توريث القذافي الحكم لابنه سيف الإسلام، فلك أن تعجب الآن لأن سيف الإسلام القذافي أصبح ينظر إليه اليوم كمرشح رئاسي محتمل لليبيا، وشخصية تعيد لليبيا توازنها، ذلك التوازن الذي فقدوه حين قال لهم القذافي: (من أنتم؟).

في شتاء يناير (كانون الثاني) اليمن السعيد لم يعد سعيدًا فبعد ثورة الشعب اليمني على الرئيس علي عبد الله صالح عادت القبلية للظهور في اليمن واتخذ الحوثيون من الثورة حصان طروادة  تغلغلوا عن طريقه في جميع مفاصل  الدولة اليمنية من زمار حتى صنعاء، وقد تحولت ثورة الشعب اليمني إلى انتكاسة بعد تشرذم اليمن شماله وجنوبه ونقل دولتين متحاربيتين صراعهما إلى أرض اليمن السعيد، والغريب أن ثورة اليمنيين كانت ضد حكم الأسرة الواحدة وضد فكرة التوريث، ونفس هذا الشعب الآن يدعو ابن الرئيس علي عبد الله صالح، ويستجديه للعودة إلى اليمن والثأر لوالده وإعادة اليمن سعيدًا كما كان، ولكن كما قال لهم الراقص على رؤوس الثعابين: فاتكم القطار .

وبعد سنوات من هبات يناير اكتشف الشعب العربي كذبة الثورات، وأن الفوضي التي خلفها لم يستفد منها سوى أصحاب نظرية الفوضي الخلاقة، والذين هم أنفسهم من غذى هذه الثورات من لهيب الحقد والجهل، وفي النهاية لا يجب أن تخذلنا نتائج هذه الثورات الشتوية عن مواصلة النضال بالسيف والقلم من أجل رسم مستقبل أفضل للنوع البشري بأكمله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد