في الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) عام 2011، خرج الشباب المصري من الجحور إلى الميادين، أو بمعنى أدق «خرج من الموت إلى الحياة»؛ حيث استنشق هواء ثورة عرابي، وثورة 19، وثورة يوليو، ولو لمرةٍ واحدة، كان جيلًا خرج من وراء أجيال قَبعت في الذلِ ثلاثين عامًا، دون أي مطالب للحقوق، أو الكرامة.

من هُم؟ ومن نحنُ؟

هم أجيال شاخت بحثًا عن الطعام والشراب، بلا وعي حقيقي تجاه الدولة، أو تجاه الحكم والسياسة، أجيال ذاقت أصنافًا مُصنفة من البغي وإهدار الكرامة، حتى نسوا أن ذلك المال العام الذي كان ثروة للنظام، هو في الأصل مالهم وحقهم، رجال رضخوا لعساكر «حبيب» وظلم «نظيف»، والذي كان اسمًا دون الصفة، ولم يكن يومًا نظيفًا.

هو ذلك الجيل الذي قال عنَّا عندما خرجنا للميدان «دول شوية عيال فاضيين»، هو نفسه الجيل الذي عارض ثورة يوليو، ووقف مع «فاروق» إلى أن انتصرت الثورة، فحولوا وجهتهم على الفور، هو جيل الأجداد، ومن بقي يحمل ذات الأفكار، حتى خرجوا علينا مُبغضين، وكأننا اقترفنا ذنبًا، عندما خرجنا نُطالب بحقِنا في العيش، فقط العيش.

فكان منهم من نبذ الثورة، ومنهم من طعن في وطنية قادتها، ومنهم من أساء للشهداء، كأنهم قد ألفوا العيش في الحضيض، وضيق العيش، واستبداد النظام، أي ولاء كان يربطهم بالنظام؟ حتى عندما جاء «مبارك» المحكمة يُدلي بشهادته أمام القاضي، في قضايا الإخوان، خرجت علينا أفواج تطعن في الثورة مجددًا، وتتحسر على أيام الكهَل المخلوع، والذي مكثَ فيهم ثلاثين عامًا، كانت وبئس الأيام! من أنتم؟ أنتم أعداء الثورة في بدايتها، وعندما أتت ثمارها، حولتم وجهتكم على الفور لتكون مع الفريق الفائز، بل إن أحدكم كاد يسرق الثورة وانتسب إليها، وظل يسب هذا وذاك، وتنكر على الناس، وكأنهُ لم يكن يومًا من فلول النظام الفاسد، وأحد الأتباع والموالين، مثل حرباء تُبدل جلدها بين الحين والآخر؛ لتجنب المخاطر، بلا أي مبدأ، أو كلمة حق خاف أن يقولها قبل الثورة، وفي أشهر قليلة بعد نجاح الثورة، تحول الإعلام المُزيف الذي كان مواليًا للنظام، حتى عندما أدبرت الدنيا عنهم، اشتد صراخهم على منابرهم، يعددون مساوئ النظام السابق، وكأنهم لم يكونوا من أتباعه يومًا ما، فبئس الإعلام أنتم! وبئس القلوب قلوبكم!

من نحنُ؟

نحن الثورة والثوار؛ الجيل الذي خرج من تحت التراب، الذي أغشى أعينكم طيلة الأيام والسنوات، الورد الذي تفتح في أنحاء البلد، فاتخذ من الميدان بيتًا لهُ، وآخرون سالت دماؤهم من أجل ري ذلك الورد، فكانت ثورتنا، وكُنا أبناءها، لا عادت أيام الفساد، الذين يتحسرون على رخص المعيشة في ذلك الحين، هل الحياة فقط طعام وشراب؟ إذًا والله إنكم تشبهون الأنعام، كلما مرت الأيام ندرك جيدًا أن «الثورة أولى بنا، ونحن أولى بها» نحن دون سوانا، فهل يأسف الغريب على موت أحد لا يعرفهُ؟ إذًا فكيف يأسف على الثورة من لم يكن من أبنائها؟! كيف يحمي الثورة من لم يكن يومًا جزءًا منها؟ ولن يكون!

لمن ينسون «كانت يناير بمثابة شعاع الضوء الذي شق الظلام، الظلام الذي نشر غَيمتهُ على البلاد عقودًا من الزمن، حتى عندما أصبح الشعاع مُصباحًا ناضجًا، تحول الجُهلاء عليهِ مُنددين كارهين، نعم لم تُصبح مصر كما أردنا، ولكن دائمًا هناك السيئ والأسوأ منهُ، وتبقى رسالة الثورة مُعلقة على الجبين، يَعرفها القاصي والداني، وهي أن المصري عزيز لا يقبل الذُل والمهانة، وإن سكت عنها قليلًا، سرعان ما ينفجر مثل السيل الجارف، ليُعلن للعالم أجمع، أنهُ باقٍ بشموخهِ وعزتهِ إلى أمد الدهر، مهما طال الزمان، وذهب هذا وذاك، يبقى الهتافُ قائمًا… عيش، حرية، عدالة اجتماعية».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد