حقيقة مسار تحركات القوى والشخصيات السياسية وغير السياسية أثناء ثورة يناير وانقلاب يوليو وبعدهما والوسائل المستخدمة في ذلك

ذكرت في الجزء الأول أنه لم تكن لثورة الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) أية قيادة معلومة أو غير معلومة، كذلك لم يكن لها تنظيم يقوم عليها، لذلك ومرورًا بكل أحداثها وما جاء بعدها تحركت قوى وشخصيات كثيرة – سياسية وغير سياسية – منها ما كان موجودًا بالفعل قبل الثورة ومنها ما أَوجَد نفسهُ سواء أثناء الثورة أو بَعْدَ ذلك (النَّصْرُ الْمُخَادِعُ) – الذي خُدِعنا به نحن الثوار يوم الحادي عشر من فبراير – أو بعد انقلاب يوليو.

كل منها تُحاول أن تكون في مقدمة العمل الحركي في مصر حتى أن البعض وإمعانًا منه في ربط نفسه بالحدث ذاته قام بإقران اسمه باسم الحدث سواء الثورة أو الانقلاب أو اشتقاق اسمه من واحدٍ منهما – فأرفق الثوري أو الثورة أو ضد الانقلاب باسمه – ظنًا منه أنه بذلك قد يكسب ارتباط وتعلق الشعب به وإيحاءً منه أنه هو من يُمثل هذا التحرك أو هذا الحدث وأنه ما جاء إلا لخدمة الثورة أو ليدْفَعُ عن الشعب هذا الانقلاب – ولكن كما اتضح فيما بعد أنها ما كانت إلا أسماءً سمَوْهَا أُريد بها زيغ العين وإلهاء العقل دون أن يكون لأصحاب الاسم نصيبٌ منه.

وقد تمثلت غالبية تحركات تلك القوى في المظاهرات والوقفات والمسيرات والاعتصامات والمبادرات والزيارات لبعض الدول وإرسال الخطابات للمنظمات الدولية وتكوين بعض وسائل الإعلام واحتفالية ومؤتمر هنا أو هناك وبعض الوقفات أمام السفارات المصرية وغيرها من تحركات اشتدت حينًا وخفتت أحيانا وتلاشت في المعظم، ثم أصبح يغلب على الكثير منها أنها رد فعل لتحرُك ما قامت به القوى المناهضة للثورة وقوى الانقلاب.

جميعها لم يُكتب لها الاستمرار، بل وسهُلَ على تلك القوى امتصاص تلك التحركات والمُبادرات ووأدها بل وفي كثير من الأحيان كان يتم استخدامها في الاتجاه المعاكس ضد المنادين بها والقائمين عليها، وكان هذا كله له أسبابه – والتي للأسف ما زالت مستمرة من بعد ترك ميادين الثورة إلى وقتنا هذا – والتي منها على سبيل الذكر لا الحصر:

1) لم يكن لدى تلك الكيانات والشخصيات الدراسة الكافية والأكاديمية بحقيقة حجم علاقتها بالشعب المصري أو قل إن الغالبية منهم كانوا يتجاهلون حقيقة تلك العلاقة أو حتى مواجهتها، فغالبيتهم وخاصة تلك الكيانات الكبيرة فوجئت بهشاشة تلك العلاقة وأنها ما كانت سوى علاقه قائمة على مصالح مُتبادلة بين الطرفين ظهر ذلك جليًا عند الاحتكاك الفعلي لكلا الطرفين – الشعب من طرف والكيانات والشخصيات من طرف آخر – على أرض الواقع، فغالبية الشعب المصري من الطبقات الفقيرة والمتوسطة – تلاشت الآن – والتي كان بعضُها يستغل المواقف ليستفيد من تلك المكاسب المادية أو العينية بصورها المختلفة والعائدة عليها من تلك الكيانات والشخصيات استغلالًا كان في غالبية الأحيان يصل إلى (الحرفية المُخادعة).

2) وضح في غالبية تحركاتهم وكأنهم لا يعرفون الحقيقة الفعلية لما يملكونه من إمكانيات، كذلك لم يكن لديهم المقدرة الكافية على إدارة واستغلال ما يملكونه من إمكانيات وكفاءات حقيقية وتوظيفها التوظيف الأمثل للحصول على النتائج المرجوة منها، بل إن الكثيرين منهم قد غالى – توهمًا وإيهامًا – في حجم ما يملكه من إمكانيات وموارد وقوة على أرض الواقع.

3) لوحظ وكأن جميعهم قد تحرك بدون دراسة وافية واعية للأحداث سواء القديمة منها أو الحديثة – ومن ثم استخلاص نتائجها للاستفادة منها في وضع استراتيجية التعامل والتحرك وفق ذلك.

4) عدم المعرفة الحقيقية للخصم الذي يتعاملون معه وتوقعات أفعاله مما جعلهم ينخدعون به وبوعوده والتمادي في حسن الظن به، والتي وصلت إلى المغالاة في كثير من الأحيان.

5) عدم امتلاك تلك الكيانات والشخصيات السياسية أيًا من وسائل القوى الداعمة، فعلى سبيل المثال لم تكن تملك من وسائل الأعلام المؤثرة ما يدعمها ويوصل فكرها للشعب ولا وسائل حماية تحركاتها.

6) إطلاق التحركات وخاصة تلك المبادرات دونما دراسة واقعية متوافقة مع ما يملكه مُطلقها من موارد ومُعطيات حقيقية على أرض الواقع حتى أنها ما كانت تلبث أن تُطلق إلا وتختفي هي وصاحبها وكأنه لم يكن لديه إيمان بها، حتى أنه كان لا يظهر ليدافع عنها أو ليفندها ويقنع بها الشعب في أغلب الأحيان.

7) إن غالبية تلك التحركات غلبت عليها الأهواء ومن ثم النظر للمكاسب التي تعود على الكيان أو الشخصية – إلا من رحم ربي منها مع ندرته النادرة – كذلك اتسم معظمها بالانفرادية والفُرقة واتخذ الكثيرون منهم نهج سياسة التوريط والإغراق فيما بين بعضهم البعض وكأنهم تمثلوا بالثيران التي تركت الثور الأبيض ليُأْكَل ونسوا أن دورهم يأتي بعده لتركهم إياه.

8) عدم مساندة القوى لبعضها البعض مساندة فعليه حقيقية، وقد ظهر هذا جليًا في عدم مُساندتهم للرئيس الأسبق محمد مرسي – الذي جاء نتيجة لأول انتخابات شرعية شعبية في تاريخ مصر سواء الحديث منها أو القديم – والحكومة التي جاءت في عهده ودعمهما الدعم اللازم والحقيقي من باقي القوى، وحقيقة الأمر أنهما لم يتوافر لهما الدعم الكافي سواء من القوى الداخلية أو الخارجية، حتى أن حزبه – حزب الحرية والعدالة – لم يكن يملك وسائل ولا قنوات الحماية اللازمة والداعمة له ولحكومتهِ.

9) لم يكن لدى الغالبية منهم رغبة للاستماع للآخر وظهر ذلك جليًا بعد خطاب التنحي وترك الميادين والتي كانت تجمع كافة القوى وكأنهم على قلب واحد، إلا أنهم بتركهم الميادين تركوا الجمع وغلبهم التفرق.

10) تجاهل آراء الكثيرين ممن كان لهم قدر من البصيرة والخبرة بحقيقة الخصم، وإن كانوا من نفس الخندق أو حتى من كان منهم ذو تجارب سابقة في دولهم ولم يضعوا تلك الآراء – والتي كانت في غالبيتها تتمثل في بعض النصائح الخالصة – ضمن حسابات وخريطة تحركاتهم.

11) ملاحقة كثير من أعضاء تلك الكيانات وخاصة جماعة الإخوان المسلمين بالاعتقال والمطاردة والتصفية، كذلك خروج بعض من أعضاء تلك الكيانات من الحراك سواء لاختلافهم في الرأي مع من يقودون العمل أو ممن آثروا السلامة، وخاصة أن منهم ذوي خبرات سياسية واقتصادية ومجتمعيه، كذلك عدم الاستطاعة على احتواء كثير من شبابها، مما أفقد تلك الكيانات قوة لا يُستهان بها أثرت في حراكها.

12) الاختيار الخاطئ من قبل أفراد تلك الكيانات والقوى لقياداتهم في مستويات كثيرة مما نتج عنه قيادات غير مؤهلة ليس لديها مقومات القيادة، كذلك عدم تقديم الدعم الكافي من قبل الأفراد لكيانتها في كثير من التحركات والمواقع.

13) نتج عن هذا وغيره أن كل تلك الكيانات والشخصيات سواءً القديمة منها أو الحديثة أداروا الأزمة في المشهد المصري بصورة غير احترافية، ورغم تفاوت درجات إخلاصهم لهذا الشعب ولهذه البلاد إلا أن الكل في هذا كان سواء.

تغلُب قوى الدولة العميقة وسيطرة قوى الانقلاب على مفاصل الدولة المصرية وأركانها

– لم تترك قوى الدولة العميقة ولا قوى الانقلاب الميادين كما تركها الثوار، بل حلت محلهم فهي التي لم يُفهم أنها لن تسمح بغير حُكمها العسكري أن يستمر، لذلك شرعت في السيطرة على العقول عبر أذرعها الإعلامية التي تمكنت منها تمامًا وأصبحت قوى لا يُستهان بها في توطيد أركانها، ثم أنها تملك القوة الرادعة لكل من يعارضها والتي تمثلت في جحافل الشرطة والبلطجية الداعمة لها والقضاء ورجال الأعمال بثرواتهم إلى جانب هؤلاء الذين سموا أنفسهم بالشرفاء كل هؤلاء تحيط بهم السلطة العسكرية حماية وتأمينًا لهم والذي كان الثوار قد اطمأنوا لها وفي حقيقة الأمر أنها كانت تحمي وتُرتب بألا تخرج سُلطة البلاد عن سيطرتها وعدم السماح بتداولها من خارج كيانها العسكري، لذلك سمحت بممارسة كل وسائل القمع والسيطرة من وأد لأي تحرك من أي كيان أو شخصية أيًا كان اتجاهها أو انتمائها أو استقلالها في سبيل التحول لحكم مدني واستخدمت في ذلك كل سياسات القمع والبطش، وسيطرت قوى الانقلاب على المؤسسة العسكرية في مصر وجعلتها تُسيطر وتبسط يدها على كل مُقدرات البلاد ومورادها الاقتصادية والسياسية والإعلامية والتنفيذية والقضائية والدينية وتصرفت في البلاد كحاكمة آمرة مالكة، وقسمت الشعب المصري وأذكت عنده فكرة الخوف من أن يُحكم بأي ممن له أي توجه إسلامي أو حتى مدني وأن مصلحة الشعب المصري في أن يُحكم وتُدار البلاد بالمؤسسة العسكريه فقط!

وقد كان لدعم القوى الخارجية والتي كان هدفها هو إبعاد مصر عن دورها الأهم والمؤثر في كافة قضايا المنطقة سواء العربية أو الإسلامية، وخاصة تلك الدول التي كانت تخشى أن تمتد لها موجات ثورات الربيع العربي كما أُطلق على تلك الثورات أثرهُ الكبير في توطيد أركان هذا الانقلاب خاصة بالناحية الاقتصادية والتي كانت أقوى دُعامة في ذلك وقد أولت سلطة الانقلاب للتحرك الخارجي اهتماما كبيرًا نجحت فيه إلى حد بعيد، ولذلك لدعمها سياسيًا وماديًا وعسكريًا.

ومن ثم سيطرت قوى الانقلاب على كافة أركان الدولة المصرية، وعاد الأمر فيها إلى أسوا ما كان عليه في كل العهود السابقة التي حُكمت فيها، ومع ذلك ما زال الكثيرون من الشعب المصري يتوهم أن هذا هو الأفضل وأنه قد نُجي من مصير مجهول؟!

إدارة الأزمة وتحقيق أهداف الثورة وإزاحة الانقلاب

في ظل تلك التحركات سواء من قوى الثورة والمناهضين للانقلاب من جانب ومن قوى الانقلاب والقوى الداعمة له من جانب آخر والتي ذكرنا بعضا من مسارهما، لم تتمكن الثورة من تحقيق أهدافها ولم يتم إزاحة الانقلاب بل ترسخ ووطد أركانه في الدولة المصرية وأصبح رئيسه هو الحاكم الآمر فيها.

فهل هذا يُعد نجاحًا للقوى الثورية والقوى المناهضة للانقلاب، خاصة في ظل اختفاء أي خارطة طريق حقيقية واقعية أو رؤيا تُنير وتُبصر الشعب وتقنعه بهم؟!

أم أن هذا يُعد فشلًا في إدارة الأزمة وإهدارًا للقوى والموارد والفرص التي كانت موجودة من قبل والتي كانت تُمثل ضغطًا على قوى الانقلاب ولم يتم إدارتها بكفاءة وحرفية؟!

وإن كان الأمر كذلك فما هو الدور المنوط به لتلك القوى المناهضة للانقلاب والداعمة للثورة والتي رأت في نفسها أن تكون في صدارة المشهد؟

أم إن الأمر وصل إلى مرحلة من الركون التي قد تصل إلى حالة من الاستسلام لأمر واقع فرضته قوى الانقلاب؟!

هذا ما سنحاول الحديث فيه في الجزء القادم إن شاء الله.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد