قبل سبع سنوات كنت رفقة الكثير من المصريين والعرب نتابع أخبار تونس التي كانت تشتعل غضبًا ضد نظام «زين العابدين بن علي»، كانت طائفةٌ من المصريين والكثير من العربِ ترى أن مصر ليست كما تونس؛ وأنّ زحف رياح ثورة الياسمين شرقًا مستبعدًا، إذ كان الكثير يستبعد الثورة على مبارك الجيش والشرطة والمخابرات ورجال الأعمال، قلت في نفسي ماذا يجري! فإذا بثورة الياسمين تقذف الديكتاتور بن علي هاربًا بين المطارات، وصوت المحامي الهرم «عبد الناصر لعويني» يعلو في سماء شارع بورقيبة.

الشعب التونسي ما يموتش، الشعب التونسي العظيم، تحيا تونس الحرة، المجد للشهداء، الحرية للتوانسة، بن علي هرب.. بن علي هرب.

صراخ العويني وقبله آلام الحرق بوعزيزي كانتا توحيان أنّ ما اصطلحا عليه يومها بـ«الربيع العربي» لن يتوقف عند شارع بورقيبة، على وجه آخر كانت هناك مجموعة من المصريين تنظٍّر بأملٍ قلَّ نظيره حينها لدى المصريين أن يوم 25 يناير (كانون الثاني) ستقوم ثورةٌ تطيح نظام مبارك وأركانه، كان هناك شبابٌ يقول إنه سيموت غذًا من أجل أن تكون مصر حرّة.

ما بين الصورتين تجلت ملامح ثورة 25 يناير المجيدة، التي أفضت برحيل صنمٍ من أصنام العرب الذي ضلّ يحكم طيلة 30 عامًا، فإذا ركبنا بوابة الزمن لتعيدنا سبع سنين إلى الوراء، لحظة كان الرئيس المصري المخلوع «حسني مبارك» يعيش لحظاته الأخيرة في الحكم، الممزوجة بالحيرة والخيارات العسيرة لنتيح له فرصة أن يسأل المتظاهرين في ميدان التحرير وفي كل شارع مصري تظاهر ضده؛ لربما كان سؤال مبارك حينها: «أتقومون بالثورة دون أن آذن لكم؟ إنه لمكر مكرتموه في مصر، فلأسجنكم ولأطلقنّ عليكم المساجين فيعلقونكم في الميادين»، قد يكون تساؤل مبارك هذا في محله، لِكون أن مجمل الأحداث التي وقعت طيلة الثلاثين سنة الماضية من قبل الثورة كانت سبيل أمر مبارك، وقد يكون من حقه أيضًا أن يلوم المصريين على ثورتهم، لكونه ملكًا على مصر، فلسان حكمه كان: «أليس لي حكم مصر، كتبه لي الدستور، وهذا البرلمان يجري من تحتي أصرفه بغالبية حزبي كيف أشاء، أتستبدلون الذي الفوضى بالأمن والاستقرار؟ إني أراكم قومًا تجهلون».

كان التاريخ يصدح بالعِبر، ويقول إن الثورات هي الفعل الوحيد الذي يقع ضدّ رغبة الحاكم ورغمًا عنه ودون إذن منه؛ وهذا ما جعل ليلة الخامس والعشرين من يناير ليلة هادئة على مبارك كونه لم يشتم رائحة ثورة ستعجّل برحيله، صحيحٌ أن جهاز أمن الدولة والمخابرات المصرية بشقيها لم ترصد ذبذبات الثورة التي كانت تنتشر بين زحام الشوارع الفقيرة بالقاهرة لتنتقل إلى قلوب المخلصين، ومعها إلى أدمغة المفكرين المصريين، وتنفجر انفجارًا في وجه مبارك وعصابته.

كنت حينها طالبًا في الجامعة (المعهد العالي للتكنولوجيا بتيارت) أترصد الأخبار العربية الزاهية حينها بأخبار ثورة الياسمين، حتى التقطت موجات الراديو -بحكم إقامتي في الجامعة- إذاعة مونت كارلو الدولية، وفي العناوين مظاهرات شعبية حاشدة تملأ الشوارع المصرية وتصرخ «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية» أحسست حينها أنني محظوظٌ لأعيش هذه اللحظات التاريخية، ولم أخف أملي وفرحي أن تقوم ثورةٌ تطيح السادة العرب من تطوان إلى بغداد.

الشعب يريد إسقاط النظام، صرخةٌ تنتقل دون جواز سفر من تونس الخضراء إلى أرض الكنانة، مناديةً مبارك أن ارحل، ومنذ تصاعد تلك الصرخة المطالبة بالرحيل، ونظام مبارك في حالة إنكار لهذه الثورة، كان ذلك عبر الصمت الطويل الذي حاول تهميش الثورة، وكان أيضًا بخطاب خرج به علينا مبارك جميعًا ليقتبس فيه ما قاله سلفه المخلوع في تونس زين العابدين، ويقول للمصريين إنّه يعي جيدًا مطالب المصريين، لكن الثوّار المصريين مضوا دون رجعةٍ في تظاهراتهم مطالبين مبارك بالرحيل، ليخرج الراحل عمر سليمان قائلًا: «أعلن الرئيس حسني مبارك تخليه عن منصبه رئيسًا للجمهورية». أذكر حينها كنت في سجالٍ مع أحد رافضي الربيع العربي، الذي كان فرحًّا بطول مكث مبارك في الحكم أكثر من بن علي، لأصعقه بالخبر بعد أن التقطته من الإذاعة التي لم تفارق سماعتها أذني منذ رحيل مبارك إلّا في الواجبات، تنحى مبارك بعد أن سقط قرابة 800 شهيد، سقطوا طيلة أيام الثورة، التي لم يجد فيها مبارك ونظامه عاصمًا منها إلّا البلطجية.

تمرّ سبع سنوات اليوم على تلك اللحظات، سنوات وصفت بالعجاف، والفارق أن مبارك رحل، ومن تولى بعده حمل لواء الثورة انقلب عليه في أوّل الطريق، ومن قاد الثورة المضادة قاد مصر إلى زمنٍ أصبح فيه المصريون والعرب من ورائهم يتمنون عودة عصر مبارك، نظرًا إلى الوضع التي تعيشه أم الدنيا.

يسألونك عن 25 يناير، قل للوطن والمصريين، والثورة مستمرة ما دام للظلم والقهر باب، وعلى مشهدٍ بقي في مخيلتي عن ثورة يناير فصله أغنية بلادي بلادي بلادي أنت حبّي وفؤادي، أقول كل 25 يناير ومن سار حذوها بألف خير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد