ثورة 25 يناير هي نقطة تحول في التاريخ المصري. لكن، هل أتت الثورة بما كان يتوقعه الثوار؟, الحقيقة لا, فبالرغم من تفاؤل الجميع بعد تنحي الرئيس المخلوع مبارك إلا أنه بعد وقت حدثت أمور غريبة قلبت كل شيء, الناس في مصر تكلموا طيلة الأربع سنوات الماضية عن “الإخوان, العسكر, الفلول, الثوار, جبهة الإنقاذ, السلفيين, الإرهاب” لكن فجأة اختفى ضلع مهم في كل الأحداث التي جرت في مصر في آخر أربع سنوات وهو “الطرف الثالث”, بالرغم من كونه أهم حلقة في سلسلة الأحداث المصرية, لكن لم يعُد يتحدث عنه أحد, الطرف الثالث أو اللهو الخفي لم ينتهِ دوره بل ما زال يتحرك على أرض الواقع, يصنع ما يحلو له من وراء الستار, وسنحاول في سلسلة مقالات التعرف على حقيقة الطرف الثالث، وما هو دوره في الحياة المصرية, وكيف يعبث بمصير أمة.

الطرف الثالث هو من حرك البلطجية ضد الثوار, بداية من معركة الجمل وانتهاءً… للأسف لا يوجد نهاية، ولكن المسميات تغيرت, بعد ما كانوا عاملين بالسياحة من نزلة السمان, أصبح يطلق عليهم “المواطنين الشرفاء”, أيضًا هو من يحرك الإعلام في الاتجاه الذي يريده منذ عهد مبارك, وهو من يحرك أغلب رجال الأعمال, هو من لديه القدرة على التحكم في مفاصل الدولة, هو من له رجال في كل مؤسسات الدولة, لو كانت إجابتك أن الطرف الثالث هو جنرالات الجيش إذن فأنت مخطئ, لأن الطرف الثالث هو من يتحكم في جنرالات الجيش, الطرف الثالث هو جهاز المخابرات العامة المصرية, الذي صنعه ناصر وجنرالات الجيش ليصبح فيما بعد هو من يتحكم في البلد كلها بما فيها الجيش نفسه.

المؤسسة الاستخباراتية هي مؤسسة موجودة في معظم دول العالم, هي مؤسسة لها هدف واحد هو حماية الدولة من أي خطر خارجي, وليس لها عمل داخل الدولة, عندما تعمل تلك المؤسسة في الداخل فتأكد أن هناك فسادًا في تلك المؤسسة وتلك الدولة, وهذا ما يحدث في مصر, فجهاز المخابرات العامة المصرية, أُسس من أجل هدفين رئيسيين هما نشر نفوذ الفكر الناصري في الخارج، وإنشاء دولة عسكرية في مصر، وهدف ثانوي هو حماية مصر من المؤامرات الخارجية غير المعلومة للنظام وغير المرغوبة أيضًا, فهناك بعض المؤامرات التي تمت على مصر كانت بمعرفة مسبقة من بعض رؤساء مصر، مثل مؤامرة نكسة 67 التي كان يعلمها ناصر قبل أن تقع, ومثل معاهدة كامب ديفيد التي كان أحد أضلاعها السادات، وما أكثر المؤامرات التي تمت في عهد مبارك.

الجيش, والشرطة, والقضاء، والإعلام, تلك هي المحاور التي يجب أن يمتلكها أي ديكتاتور, وبما إن المخابرات هي الديكتاتور الحقيقي في مصر, فهي تملك الجيش, ولا يُعين في المخابرات سوى ضباط الجيش ويتم اختيارهم بعناية فائقة من قبل رؤسائهم، ومن ثَم يبدأ تعبئة رأسهم بالأفكار المطلوبة, بعد أن يكونوا “استوا” أثناء فترة خدمتهم في الجيش, والغريب أن جميع جنرالات العسكر يمشون حسب الخط الذي يرسمه لهم جهاز المخابرات, وهذا ما يفسره أن كل جرائم العسكر في الفترة ما بين 2011 لـ 2013 كانت عن طريق قائد الانقلاب الذي كان يرأس المخابرات الحربية، وهي فرع من فروع المخابرات العامة, كما أن قائد الانقلاب عندما أراد أن يصبح رئيس للجمهورية تخلى عن موقعه كقائد عام للقوات المسلحة في سابقة خطيرة وغريبة، ولكن لم يتخلَ عن كرسي رئيس المخابرات الحربية الذي وضع فيه صهره, أما الشرطة بالطبع يسيطر عليها المخابرات العامة خصوصًا في تعيينات القيادات، ويظهر ذلك جليًا حيث إن منظومة الشرطة وطريقتها في التعامل مع المواطن هي نفس الطريقة في الـ60 سنة الأخيرة منذ بداية عصر ناصر, والقضاء يثبت يوم بعد يوم منذ ثورة يناير المجيدة ومنذ أيام ناصر أنه يسير حسب استراتيجية معينة, يعطي أحكامًا حسب مزاج سيده, الجميل أن كل هؤلاء يسيرون حسب تخطيط جهة أعلى وهي المخابرات العامة.

أما الإعلام فدوره معروف، وكيف كان دائمًا يسير حسب نهج معين وطريقة معينة، وكيف تم استخدامه في كثير من الأحيان لإلهاء الناس تارة، أو لتغيير وعيهم تارة أخرى, ولكن ما لم يلاحظه أحد هو الفن , كيف تستخدم المخابرات الفن والفنانين.
المخابرات العامة استخدمت دائمًا الفنانين لنشر أفكارها وتثبيت الدولة العسكرية في مصر, بإعطاء فكرة وصورة للمصريين أن جهاز المخابرات هو ذلك الجهاز الخطير, المريع, الجميل, اللطيف, الجذاب الذي يدافع عن البلاد، وهو أيضًا أقوى جهاز مخابرات في العالم, وطبعًا ظهر هذا في أعمال فنية كثيرة، مثل رأفت الهجان ودموع في عيون وقحة وغيرها من الأعمال التي سوف نتناولها لاحقًا بالتفصيل, ومن جهة أخرى يستخدم الإعلام لتثبيت الدولة العسكرية وجعل الناس تؤمن بأن الجيش أهم من الشعب نفسه، وأن الجيش يتكرم ويتعطف على الشعب برئاسته لمصر، وأن مصر لا يجب أن يحكمها سوى رجل عسكري.

واستخدم بالطبع في هذا فنانين بشكل مباشر بإعلانهم تأييدهم للدولة العسكرية، أمثال أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وأحمد مظهر وغيرهم، واستخدم بشكل غير مباشر عن طريق صناعة أفلام تعرض قوة الجيش، وما أحلى الحياة العسكرية وجمال العسكر وهكذا مثل سلسلة أفلام إسماعيل يس في الجيش والأسطول والطيران… إلخ, والغريب أن أغلب تلك الأعمال الفنية كانت تُصاحب بخيال كبير من المؤلف أي كانت “أعمال كاذبة” من أجل تضليل وتغييب الشعب.

لكن من أين جاءت فكرة إنشاء جهاز المخابرات, الفكرة بدأها ناصر سنة 1954, حينما انقلب على الرئيس محمد نجيب الذي لم يكن يريد قيام دولة عسكرية في مصر, بل كان يرى ضرورة أن يحكم الشعب، ووجوب أن تعم الديمقراطية أرجاء مصر, فانقلب عليه ناصر, فكرة إنشاء جهاز المخابرات كانت لحماية ناصر وبناء دولة عسكرية تتحكم في الشعب المصري, هناك من يدعي أن ناصر أنشأ المخابرات العامة من أجل حماية مصر، ولكن الدليل على عدم صحة ذلك هو لماذا أنشأ ناصر هذا الجهاز سنة 1954 عندما انقلب على نجيب، ولم يقم بإنشائه سنة 1952 حينما انقلبوا جميعًا على فاروق؟

زكريا محيي الدين هو مؤسس جهاز المخابرات العامة وأول رئيس لهذا الجهاز, استمر لمدة عامين في رئاسة جهاز المخابرات منذ 1954 حتى 1956، سأستعرض جزءًا من تاريخه لكي تعلموا كيف تدار تلك المنظومة, هو في الأصل بالطبع من الضباط الأحرار، وتلك كانت كفيلة بنقل أي شخص لأعلى المناصب, كان وزيرًا للداخلية سنة 1953, وبعدما ترك المخابرات العامة عمل في تلك المناصب, وزير داخلية الوحدة مع سوريا عام 1958, رئيس اللجنة العليا للسد العالي عام 1960, نائب رئيس الجمهورية، ووزير الداخلية للمرة الثانية عام 1961, رئيس الوزراء ونائب رئيس الجمهورية عام 1965, رئيس الجمهورية لمدة يومين أثناء فيلم تنحي ناصر عقب نكسة 1967, سؤال يفرض نفسه ما هو وجه العامل المشترك بين كل تلك الوظائف؟

يجب التوقف أمام ثلاث نقاط هامة في تاريخ زكريا محيي الدين, زكريا محيي الدين كان لديه حس أمني عالٍ، وكان يريد الخير للمخابرات العامة، فكان دائمًا يساعد من يريد التعليم ومن يبحث عن نجاح المؤسسة، ويمكن لهذا السبب تم تنحيته من منصبه, أيضًا زكريا محي الدين هو من أنشأ جهاز أمن الدولة حينما تولى وزارة الداخلية في الستينيات من القرن الماضي، والغرض الرئيسي من إنشاء الجهاز في ذلك الوقت هو القضاء على جماعة الإخوان المسلمين, أغرب شيء هو أن أهم إنجاز لمحي الدين هو توصيل إمدادات للمحاصرين من الجيش المصري في الفلوجة سنة 1948 أثناء حرب فلسطين, الغريب هنا أن محي الدين استعان بالإخوان المسلمين في ذلك الوقت من أجل القيام بتلك المهمة بعد أن عجز الجيش المصري عن القيام بتلك المهمة!

علي صبري كان ثاني رؤساء الجهاز وتوصيفه وسط الضباط الأحرار أنه كان من رجال الصف الثاني, ولذك تولى منصب رئاسة المخابرات لمدة أقل من عام منذ 1956 حتى 1957، وهناك فرضان لتولي هذا الرجل تلك الوظيفة, أنه كان يتم تجهيزه لوظيفة أخرى أو أنه كان يتم إعداد شخص آخر لهذا المنصب, وممكن أن يكون الفرضان صحيحين، ولكن دعونا نتأمل في المناصب التي شغلها علي صبري بعد رئاسته للمخابرات العامة, رئيس الوزراء عام 1964, نائب رئيس الجمهورية ورئيس الاتحاد الاشتراكي عام 1965، عضو اللجنة التنفيذية العليا، مساعد رئيس الجمهورية لشؤون الدفاع الجوي, مسئول الاتصال بين الجيشين المصري والسوفيتي في كل ما يخص التسليح والتدريب والخبراء، وعضو مجلس الدفاع الوطني عام 1970, نائب رئيس الجمهورية مرة أخرى في عهد السادات, مرة أخرى نفس السؤال ما هو العامل المشترك بين كل تلك الوظائف؟

يتضح هنا شيء هام جدًا, أغلب مَن يخرج مِن المخابرات لا يتم الاستغناء عن خدماته، بل يُعين في الكثير من الأماكن التي عادة لا يكون لديه أي معرفة عنها, التعيين لا يكون بسبب الكفاءة ولكن بسبب كونه عسكريًّا بدرجة مخابرات, يتضح هنا كيف تسيطر المخابرات على كل مؤسسات الدولة.

منذ 1954 وحتى هذه اللحظة يتحكم هذا الجهاز في مُقدرات الشعب المصري, لم يكن له أدوار في الخارج بشكل إيجابي سوى خلال فترة الحرب, والفضل في هذا يرجع إلى ثلاثة أشخاص هم عبد المحسن فائق ومحمد نسيم وعبد العزيز الطودي, الجدير بالذكر أن ليس جميع من عمل في هذا الجهاز فاسدين, فهناك بعض النماذج التي تستحق الاحترام، وبالطبع سنشير إليها ونسلط عليها الضوء, فالمخابرات العامة مثلها مثل القوات المسلحة والشرطة والقضاء هناك أشخاص محترمون عملوا في تلك المؤسسات، ولكن للأسف الأغلب كانوا أشخاص سخروا أنفسهم وجهدهم لخدمة هدف واحد هو الحفاظ على دولة العسكر في مصر.

يُتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد