برغم تحوّل الأحداث التونسية الدامية في إثر احتراق «محمد بوعزيزي» عام 2010، إلى ثورة شعبية عارمة، ضد نظام حكم «زين الدين بن علي»، لم يتوقع الكثيرون سواء من الساسة أو العسكريين، انتقالها إلى مصر، حتى في ضوء وجود امتعاض شعبي شبه كامل، من نظام حكم الرئيس «حسني مبارك»، الذي ساد حكم البلاد لأكثر من 30 عامًا متتالية، بل كان لدينا ما يقولون، إن الثورات ضد أنظمة الحكم هي مستحيلة، باعتبار أن الشعوب العربية هي شعوب ميّتة.

حيث إن الدعوات التي انتشرت من عدّة جهات معارضة مصرية إلى النزول، في يوم عيد الشرطة 25 يناير (كانون الثاني)، والتي طافت أرجاء مواقع التواصل الاجتماعي، احتجاجًا على الأوضاع المعيشية والسياسية والاقتصادية وكذلك على ما اعتبر فسادًا في ظل حكم «مبارك» آتت أكلها سريعًا، حيث تحركت الحشود المصرية إلى ميدان التحرير، حيث استقر رأي الخبراء على أن الاحتجاجات هي مجرّد رسالة للنظام وحسب.

لكن اليوم التالي 26، وبرغم وجود قلب العاصمة (القاهرة)؛ في حالة من الهدوء صباحًا، والتي جعلتني  أسير حسب خطتي باتجاه مؤسسة الأهرام، حيث الدكتور «عماد جاد»، إلّا أنه شهد فعاليات احتجاجية أكبر خلال ساعات الظهيرة، والتي تجسدت في تكوين مسيرات وتظاهرات شعبية ومهنية كبرى، وخاصةً المنطلقة من نقابة الصحفيين القريبة من المكان، والتي حالت ليس دون بلوغي الهدف وحسب، بل إلى الهروب أمام قوات الأمن المركزي، ووسط أعيرة النار والقنابل المسيلة للدموع، من أسفل كوبري وكالة البلح والتوغل – على غير هدى – داخل أعماق حارات (بولاق أبو العلا)، وبغض النظر عن القصة التي حصلت بداخله، لكني تمكنت من الخروج سيرًا على الأقدام في ساعات ما بعد الغروب، وذلك من أعلى الكوبري، إلى ساقية الصاوي، فمسرح البالون ثم ميدان سفنكس، فأحمد عرابي – المهندسين.

لقد ظلت الاحتكاكات بين الحشود الشعبيّة الثائرة من جهة، وقوات المركزي والشرطة في تصاعد مثير للدهشة، وبما لا يدع مجالًا للشك أن إدراك المصلحة العليا للبلاد، لم تخطر ببال نظام الحكم بعد، حيث تجاهل النظام حالة الاحتقان الشعبي، ثم تعامل إزاءها بكثير من الغموض، ومن ثمّ الترويج على أن أياديَ خارجية وداخلية تعمل على تخريب استقرار البلاد، والعبث بمقدراتها، وتهديد النظام القائم.

لم يشفع خطاب «مبارك» المقتضب له، من مطالبة المعتصمين الذين نزلوا من بيوتهم، رجالًا ونساء وشيوخًا وشبابًا، له بالرحيل، بغضًا في حكمه، وطمعًا في ولادة نظام حكم آخر من اختيارهم، بهدف تحقيق أمانيهم وأحلامهم وتحديد ملامح حياتهم، حيث اضطرّ إلى الاستجابة لمطلبهم مساء يوم 11 فبراير (شباط)، من خلال إعلانه بواسطة نائبه «عمر سليمان»، الذي كان قد قرر منصبه للتو، بالتنحي عن الحكم، وأوكل المجلس العسكري بقيادة البلاد.

أصدر المجلس في 13 فبراير 2011 إعلانًا دستوريًا، بتوليه حكم البلاد لمدة ستة أشهر، أو لحين إجراء انتخابات مجلسي الشعب والشورى ورئيس الجمهورية، بعد أن قام بحلّهما معًا، وعطّل العمل بأحكام الدستور، وفي الوقت ذاته قام بتشكل لجنة خاصة، تعمل على تعديل بعض المواد الدستورية، ووعد بإجراء انتخابات رئاسية حرّة ونزيهة.

كانت الأغلبية تتوقع من المجلس العسكري أن يسلك سلوكًا آخر غير الذي سلكه، سلوكًا يعود به إلى ثكناته، من أجل الخروج بمصر من مأزقها إلى بر الأمان، لا أن يصل به الحال إلى التخطيط للقبض على دفة الحكم من حديد، باعتبار أن مصر في نظره تحتاج إلى سياسة قوية تدحر الأعداء الخارجيين، وتحدّ من مكاسب الإخوان المسلمين، الذين يتبعون أجندات حزبية وعدائية للدولة، بعد أن امتطوا الثورة لتحقيق انتصارات شخصية وهميّة على حساب الوطن.

لقد تنامى الغضب ضد المجلس العسكري، وحصلت أعمال عنف ضدّه وبكثافة أعلى من المعتاد، الأمر الذي أدّى في حينها إلى زيادة المخاوف من وقوع البلاد في أزمات مستمرة من الاحتجاجات، حال تمسّكه بالقوانين المكملة، والتي أصرّ على بقائها، حيث إن الاشتباكات أثارت دعوات لثورة جديدة ضد المجلس، باعتباره مُكملًا لدور «مبارك».

شهدت الانتخابات الرئاسية ملحمة تاريخية، نالت شهادة محلية ودولية نادرة، حيث تدفق الملايين إلى اللجان الانتخابية، وتحت عنوان (حان وقت التغيير)، ليختاروا ويشاركوا – وكأنّها أول مرّة – في صنع المستقبل، وبعيدًا عن البلطجة والإيمان بالشعارات الفارغة، وقد أظهرت الصناديق نهاية المطاف، عن فوز مرشح الإخوان الدكتور «محمد مرسي» الذي تم عزله بعد عامٍ واحدٍ فقط، باعتباره أحدث شقًا في الصف المصري، وكان سببًا في اندلاع ثورة شعبية ضدّه كما يقول أبطال 30 يونيو (حزيران)، حيث تولى حكم البلاد وزير الدفاع «عبد الفتاح السيسي».  

إن الحالة التي تمرّ بها مصر الآن، وبعد أربع سنوات من حكم «السيسي»، وفي ظل وقوعها في أزمات سياسية وأمنية واقتصادية ضخمة، وبغض النظر عن النجاحات المزعومة والتي طالت مناحي الحياة، تستلزم تحركات جادّة وفورية، ليس من طرفٍ واحد فقط، بل من جميع الأطراف الرسمية والحزبية والشعبية، لتداركها والخروج منها، خشية انهيار مقومات وأركان الدولة، والتي لا يمكن استرجاعها بسهولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد