شعب مصر قبل ثورة يناير

الخامس والعشرون من يناير (كانون الثاني) من كل عام أصبح له وقع على الشعب المصري، بل تعداه إلى نطاق أوسع قد يشمل كلًا من العالمين العربي والإسلامي، بل ربما يتعدى ذلك، إلا أنه في هذا العام له وقع آخر، فبه يكون قد مر العام العاشر على ثورة الشعب المصري – وبالتالي يكون قد مر العِقد الأول عليها – تلك الثورة التي كان هدف هذا الشعب منها أن يتحرر من عقودٍ عاش فيها في ظلامٍ، وحُكم في معظم فتراتها بالحديد والنار تارة وبالخداع والتضليل تارة أُخرى، حُكم فيها تحت وطأة القمع والتعذيب وسَلب الحريات ونهب الثروات والممتلكات، سيطرت فيها فئة بعينها على مقدراته وعلى كل مُكونات البلاد مُحيطة نفسها بأصحاب الثروات ورؤوس الأموال وعلماء الدين.

فسيطروا على كل مفاصل الدولة التي يحيا فيها هذا الشعب حتى صارت ملكًا لهم ظاهرًا وباطنًا، لذلك تجد وكأن الدولة وقد تحولت إلى واحدة من أملاك تلك الفئة تسييرًا وتمكينًا، فأداروها كواحدة من أملاكهم، وبقيت الغالبية العظمى من شعب الدولة المصرية من خارج تلك الفئة يعملون فيها لحساب تلك الفئة، إلى أن أصبح كل فرد من الغالبية العظمى من الشعب المصري لا يملك إلا ما يكاد يتعايش عليه هو ومن يعول، وعلى أضيق حد لمعيشة ممكنة، استمر هذا الحال حتى تحولت هذه الغالبية وكأنها من أملاك تلك الفئة، فذهبت كل مواردها ومُدخراتها وإنتاجيتها ليد هذه الفئة، تعبث فيها كيفما تشاء، وعاشت تلك الفئة التي سيطرت على مُقدرات البلاد ومفاصلها في رفاهية مُبالغة وترف غير مخفي، بل تباهت في إظهاره والتعالي به، بل تنمرت على الفئة الغالبة من الشعب المصري.

هكذا كان حال هذا الشعب قبل ثورة 25 يناير، شعب يعيش ليُخَدِِّمْ على فئة بعينها تُسيطر عليه وعلى كل مكونات الدولة المصرية، تُساعدها في ذلك فئة من المتسلقين والانتهازيين.

نحو الثورة

عندما تضامنت فئات من الشباب وتلاحمت ونادت بالثورة ظنت الغالبية العظمى من الشعب المصري أن الفرصة قد حانت للخلاص مما هم فيه، فلم يتأخروا والتحموا مع هؤلاء الشباب الذي أشعل ثورة يناير، ظنًا منهم أنهم بها سيتحركون نحو أهدافهم، وأنها أول طريق الحرية والخلاص، ثم العدالة الاجتماعية والعيش الكريم، لذلك في هذه الثورة تحركت كل طوائف الشعب وتلاحمت كوحدة واحدة ضد عناصر الظلم والفساد، تلك التي جعلته يعيش آلام الفقر والتأخر في كل مناحي الحياة.

كل الكيانات والقوى تتحرك لقيادة الثورة

لم تكن للثورة أية قيادة واضحة لذا ما لبثت سريعًا أن ركبت تلك التحركات الثورية عشرات من القوى السياسية، والدينية، والاجتماعية، والنقابية، والشخصيات السياسية، والعامة، والفنية، والإعلامية، والبرلمانية – أعداد من القوى والشخصيات ينوءُ الذهن أن يحصُرها.

كل منها حاول فرض نفسه على تلك الثورة محاولًا أن يكون له دور في تلك الثورة مُستخدمًا في ذلك كل ما أوتي من إمكانيات وأدوات – تنوعت في ذلك الأهواء والأغراض والنوايا – ولا يًخفى هنا أن أكبر فصيل وكيان وقوى كانت موجودة حينها هي جماعة الإخوان المسلمين، ولما لها من باعٍ طويل في العمل الجماهيري والتأثير الحركي في الشارع المصري لذا تعلقت بها أمال الملايين من الشعب المصري.

بعد الأحداث

انتهت الأحداث التلاحمية لتلك الثورة بقتل الكثير من الثوار المشاركين فيها – والذين نحسبهم شهداءً عند ربهم – وإصابة أعداد كبيرة على أيدي قوات الشرطة التي تدخلت وجيوش البلطجية التي استخدموها في ذلك تحت سمع وبصر قوات الجيش التي كانت منتشرة في كل مكان في البلاد، تبع ذلك أحداثًا كثيرة كان من أبرزها خلع محمد حسنى مبارك، والذي كان قد سيطر على رئاسة البلاد طوال 30 عامًا، اتسمت بالتزوير والترهيب، والخداع والفساد، وسيطرة طبقة فاسدة من رجال الأعمال كان قد صنعهم على عينه وقربهم له ولعائلته.

ثم جاء بعده المجلس الأعلى للقوات المسلحة فبسط سيطرته على مقاليد السلطة في البلاد تبع ذلك عمل دستور جديد وانتخاب مجلسي الشعب والشورى.

الحدث الذي انتظره الشعب المصري

جاء الحدث الأهم والذي كان ينتظره غالبية الشعب المصري وهو التحول من حكم عسكري جبرى سيطر على البلاد –  إن قلت طوال تاريخ وجودها القديم والحديث إلا بعض القرون التي تخللته فلن أكون مُبالغًا في ذلك – إلى حكم مدني يختاره الشعب حتى يتنفس صعداء الحرية وينعم بالعيش الكريم، فأقبل الشعب على أول انتخابات رئاسيه حرة في تاريخ هذا الشعب كما لم يُقبل على أية انتخابات من قبل، ظنًا منه أنه وجد ضالته وأن فيها الخلاص، ونتج عنها أن جيء بأول رئيس مدني منتخب شعبيًا ليًحْكُم مصر فيما لم يحدث طوال تاريخها.

انقلاب ومذابح واعتقالات ضد الشعب ورئيسه المنتخب

إلا أن تلك الفئة – والتي كانت في حقيقة الأمر مازالت هي المسيطرة على البلاد – قامت بانقلاب أُدير باقتدار – بعد ما يقرب من عام على قًسم الرئيس المنتخب لليمين – وفى غفلة تم اعتقال – وإن صح قل اختطاف – أول رئيس مدني مُنتخب هو الرئيس محمد مرسي، ثم ما لبث أن أصاب كل من له صلة به أو بجماعة الإخوان المسلمين التي كان ينتمي لها نصيبه من الملاحقة، والاعتقال، والتعذيب، والقتل في مذابح لم يشهد لها تاريخ الدولة المصرية من قبل قامت بها تلك الفئة بقيادة عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع حينها، والذى عينه الرئيس محمد مرسي حتى طالت تلك المذابح والاعتقالات كل من يُعارض أو يتفوه بكلمة معارضةٍ لهذا الانقلاب وقائده.

وكان من أكبر تلك المذابح وأفدحها مذبحتا رابعة والنهضة، واللتان تعدان من أكبر مذابح العصر الحديث وأبشعها في حق البشرية وليس الشعب المصري فقط، حيث إنهما حدثتا من فئةٍ من شعبٍ مصر – مسيطرة على كافة مقاليد القوة فيه – ضد فئة أخرى من نفس الشعب! لم تكن تملك أيًا من تلك القوة – بل أن من عدم صواب تخطيط قادة هذه الفئة أن جعلوا جميع أفرادها ومن يُطالبون بعودة المسار الشرعي للبلاد والإفراج عن الرئيس محمد مرسي، ومن ثم عودته إلى موقعه مُحاصرين بين فكي تلك القوة المُنقلبة والمتغلبة بالعدة والعُداد فلم يستطع هؤلاء الأفراد معه فكاكًا – فكان لهم هذا المصير الدموي المأساوي.

واستمر بعدهُ اعتقال الرئيس محمد مرسي ونُصبت له مُحاكمات غير شرعيه وزاد التوسع في الاعتقالات والتعذيب والقتل لكل المعارضين لهذا الانقلاب.

الشعب ينقسم على نفسه والقوى تتصارع في داخلها وفيما بينها والأوضاع تتردى.

مع كل هذه الأحداث المُتسارعة والتي أدت إلى إحداث شرخ كبير بين فئات الشعب المصري وتقسيمه إلى أن وصل الأمر أن فرح كثير منه بما أصاب تلك الفئة من اعتقال وتعذيب وقتل، بل ساعد الكثير منه على تمكين هؤلاء الذين قاموا بالانقلاب من السيطرة على مقاليد البلاد والمُضي في رِكابهم.

في خضم تلك الأحداث كان كل من تلك القوى والكيانات والشخصيات السياسية وغير السياسية تحاول أن تجد لنفسها موضع قدم فيما بعد تلك الثورة، وفي تلك الأحداث في محاولة لكل منها أن تتصدر المشهد اعتقادًا أنها الأصلح والأقدر على قيادة تلك المرحلة.

مع كل هذا هوت المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية في مصر ووصل الشعب المصري إلى حالة من الفقر والتردي في كافة مناحي الحياة بما لم يشهدهُ هذا الشعب من قبل، وتحول الشعب المصري إلى طبقتين طبقه فقيرة مُعدمه وأخرى غنية مُرفهة، واختفت تلك الطبقة الوسطى التي كانت تُمثل مُعامل الاتزان في الشعب مصري.

وسيطر على مقاليد الحكم في مصر قائد هذا الانقلاب فأصبحت مصر كلها في يده، فكرس كل الإمكانات الداخلية والخارجية لدعمه، وتم العمل على اغتيال الرئيس محمد مرسي في محبسه بطريقة مُمَنْهجة حتى فاضت روحه وارتقى شهيدًا – بإذن ربه – أثناء مُحاكمته فكانت فاجعة كبرى لكل من كانوا يُطالبون بعودة مسار الشرعية في البلاد، وفى نفس الوقت تنفست قوى الانقلاب التي بسطت يديها على كل مقاليد الحكم الصعداء من أهم طرف كان يؤرق نفوذها وشرعية وجودها على الأقل إلى حين.

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد