25 يناير من أربع سنوات، هل كانت مأساة جيلنا، أم نقطة تحوله، انطلاقه من جدران المتابعة إلى رحى المعاناة والمتاجرة؟

قبل 25 يناير، لا أذكر كيف كنا! أحاول أن أتذكر، أن أستعيد السلام والاستقرار الذي يتحدثون عنه قبل “نكسة” يناير المزمعة. صدقًا لا أذكر.

يبدو كأنه من الماضي البعيد، وأن عهدًا قد انقضى منذ ذلك الحين، عهد كامل أو لتقُل عهودًا إذا شئت، من مآسي إغريقية وجنازات فخرية وأخرى للأسف حقيقية .

 

يقولون إن أهم إنجازات “يناير” كسر حاجز الخوف، فمن العسير حقًّا أن تعُد إنجازاتها الآن، أو أن تشعر بها. أشعر أحيانًا أننا كسرنا حاجزًا لبعد آخر، لم ينكسر معه الخوف، بل تحرر من مفهومه التقليدي، واتخذ أشكال الأشباح التي عبرت معه هذا الحاجز.

فها هي أشباح الماضي تعود مُكتملة الصورة، يتخذ كل منها منصته في مرحلة ما بعد انهدام الحاجز. وكأننا عدنا بالزمن للوراء في بقعة منعزلة عن عالم؛ يعبُرنا كل ثانية بسنين ضوئية مكتملة!
أما نحن، بعد انهدام جدران عالمنا الافتراضي، وتعرفنا المفاجئ غير السّار مع ذلك الواقع مُضافًا إليه الأشباح والأرواح العائدة، أصبحنا وكأننا سجناء بُعد وسط، نُعاني الانضغاط من كل العوالم المتصارعة، بعد انهيار الحاجز الفاصل بينها.

هل وحدّنا دون أن ندري قوى العالم الآخر؟ هل تعجّلنا سقوط الطاغية؟
هل كان يوم 28 يناير أم يوم 2 فبراير؟ أم 11 فبراير؟ ذلك اليوم الذي يُلام حاليًا أكثر من غيره.

 

ما زلت أذكره، خرجت فيه دون سبب واضح مُتعللة بمحاضرة، لم تُلقَ بالطبع، كان الصباح حينها شيئًا آخر، الصباح ذاته يتبسم والبشر في الشوارع يضحكون، وهو شيء على المصريين – لو تعلمون- عجيب. ففي أي صباح عادي، يمشي المصريون عابسي الوجوه في مواصلات مزدحمة وطرق لا ترحم، يحملون هموم اليوم الماضي والحاضر على وجوههم، أقصى آمالك أن ترى تلك الابتسامة اللامبالية الباهتة.
لكن ذلك اليوم، كان شيئًا آخر. ربما كانوا يحتفلون بـ”إرادتهم الحرة ” لأول مرة، ربما هذا تغنيّهم بحضارة صنعوها هم في حياتهم وليس القدماء. ربما يحتفلون بـ”تحريرهم”.

آه كم كان التحرير “حلم جميل”!

لكن ككل الأحلام لا بد أن تنتهي، فكانت أكثر جموحًا من واقعنا، أكثر شاعرية من الطريق البراجماتي لكيفية إتمام الأشياء.

الآن عرفنا، الآن فهمنا. لكننا لا نستطيع أن نهرب كما فعل “زين العابدين بن علي” بعد أن قال تلك الجملة الشهيرة التي آذنت باندلاع حالة تونس الثورية التي بدأ بها كل شيء.

أو على الأقل لا يستطيع كلنا الهرب، فالجانب الآخر للأشياء، أن الكل يهرب ما استطاع لذلك سبيلاً.

هذا هو الاندفاع العكسي لفعل ما، أن يندفع الشيء وبقسوة إلى الاتجاه العكسي بقوة؛ ربما فاقت “هنا” الفعل الأساسي في القوة والشدة. لذلك قد لا يرتد إلى موقعه الأصلي بعد نفاذ طاقة حركته المُعاكسة.

 

أقصى آمالنا أن يتزحزح قليلاً عن موقعه الأصلي حين يُعد إلى السكون. وربما لا يسكن قط!

فكل شيء تغير، التحرير تمزق، عداوات جديدة ظهرت بين ثوار الأمس، كالحواجز الحجرية في شوارع التحرير الآن، حواجز أخرى قد أقيمت بين البشر لأيدولوجيات فرّقت أكثر مما دعمت. وفي النهاية لم ينجح منهم أحد.

لقد تغيرت الوجوه

وتبدلت الأصوات

وصرنا غرباء
في حّينا…

صار الجميع غرباء

نعيد تعريف بعضنا

ونجدد النظر في ذات الوجوه

تلك التي نألفها

ما عدنا نعرفها!

هل حقًّا تغيرنا كل هذا القدر

هل تراك إذا نسيت ذات البين

تعد تعرفني؟

هل أعرفك حينها؟

يقولون دماءً قد أريقت بالأمس في الحي

تسأل “دماءُ من؟”

وهل للدماءِ عنوان؟

فإن الثرى لا يسأل إذا وراه الجسد مع أيهم كنت

فقط يبتلع موتاه في صمت

صمتٌ لا يعرفه الحي

حين مر به المأتم.

لم نعرف الصمت فعلاً في الأعوام الأربعة الماضية. ربما ما كسرنا حقًّا كان حاجز الصمت، وليس الخوف.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد